أردن الإخبارية – Jordan News » عربي ودولي » فلسطينيو الداخل يحيون ذكرى مجزرة الطنطورة على ترابها

فلسطينيو الداخل يحيون ذكرى مجزرة الطنطورة على ترابها

أضيف بتاريخ: 16 مايو 2019 1:57 ص

أردن – تنظم جمعيّة «فلسطينيّات» بالتعاون مع أهالي شهداء مجزرة الطنطورة للعام الخامس على التوالي، نشاطًا وطنيًا وسياسيًا لإحياء الذكرى 71 لشهداء مجزرة الطنطورة، القرية الفلسطينية الساحلية المدمرة في قضاء حيفا، مساء غد الجمعة.
وتشمل فعاليات إحياء ذكرى الطنطورة التي شهدت واحدة من أبشع المجازر الصهيونية بعد أيام من الإعلان عن قيام إسرائيل في 15 مايو/أيار 1948 مسيرة تقليدية تخليدًا للشهداء، تنطلق من المقبرة الجماعيّة، حيث موقف السيارات لمستوطنة «دور»، وتنتهي في ساحة بيت آل يحيى، المعلَم القائم على ساحل القرية. تلي المسيرة فعالية دينية وفقرة تكريم للشهداء، لاستحضار أجواء شهر رمضان في الطنطورة ورفع أَذان المغرب بعد غياب وصمت دام 71 عاما، ليجتمع بعدها المشاركون حول مائدة الإفطار الرمضاني وبعدها برنامج فني. وكانت جمعية «فلسطينيات» قد باشرت في 20 أيار/ مايو عام 2015 بإحياء ذكرى شهداء الطنطورة، لأول مرة، من خلال مسيرة وطقس وطنيّ سياسيّ، ومنذ ذلك الوقت تقوم الجمعية سنويا، بتنظيم النشاط في موعده.
يشار الى أن الطنطورة واحدة من أجمل القرى الفلسطينية الساحلية التي ما زالت سواحلها الجميلة، ورمالها الذهبية ومياهها الصافية كعين العصفور تدلل على الحياة الوادعة لأهاليها وتخفي عمليات القتل والتهجير المروعة المرتكبة في أقسى الشهور، أيار، على يد الصهيونية.
في هذا التقرير سنعود للطنطورة قبل نكبتها لكننا نورد شهادة مروعة واحدة عن الممارسات النازية خلال قتلها، وتبدو أمامها شهادة «رقية» بطلة رواية « الطنطورية « خفيفة لطيفة لما فيها من وجع وتعذيب للروح.
واليوم لم يبق من الطنطورة الا مقام الشيخ عبد الرحيم البحريني، ومبنى الجمارك، وقلعة، وبئر قديمة وبضعة منازل وأحدها منزل محمد اليحيى الذي بني في سنة 1882 على الساحل، يقابله بيت أحمد الحج  يحيى أبو فوزي مثلما يتبين من نقش ظاهر عليه. وينتشر الكثير من شجر النخيل وبعض نبات الصبار في أنحاء الطنطورة الذي تحولت لمنتزه إسرائيلي يضم بعض المسابح.
وفي سنة 1949 أنشا المهاجرون اليهود الجدد من اليونان مستعمرة «دور» شرق الموقع وفيها مدافن وآثار صليبية ومن جزرها الشدّادين. وجاورت الطنطورة كفر لام، والفريديس، وعين غزال، وجبع وجسر الزرقاء.
وهذا ما يؤكده الشيخ محمد المصري (أبو جميل) من الطنطورة المهجّر في الفريديس، لافتا إلى أن «الطنطورة بلدة عتيقة وفيها آثار وأنها قامت على سبع خرب لكل منها أراضيها وسكانها، منها خربة البرج وهي موقع أثري وفي نهاية المطاف تلاشت وبقيت بلدة الطنطورة الأساسية. أبو جميل المولود عام 1934  يرجح في حديث لـ «القدس العربي» أن تعداد الطنطورة بلغ قبيل تدميرها نحو 2000  نسمة اعتمدوا بمعيشتهم على الزراعة والصيد والعمل في البوليس. ويكشف أن حوالى 70- 80 شابا من الطنطورة عملوا  في شرطة الانتداب وكانوا تحت إمرة خليل الدسوقي الله يرحمه.

صيد السمك

وفي تلك الناحية تزخر ذاكرة أبو جميل بتفاصيل غنية عن البحر والترفيه والصيد وغيره، ويتوقف عند موسم «أيام السردينة» حيث كانت تصل ساحل الطنطورة مجموعات من الصيادين من كل البلاد من أجل الصيد. ويتابع «كانت أكوام السردين تتراكم على الساحل مثل «صلايب» القمح في البيادر. كنا نسميها بزرة وكانت هناك بزرة مصرية وبزرة مغربية وترعى في ساحل الطنطورة. كان السمك يباع بسعر رخيص ويستطيع الفقراء اقتناءه من البحرية ومرات البحرية يعطونه للمستجمين بدون مقابل».
ويوضح أن «البحرية» اعتادوا على استخدام قوارب صيد وهم من كانوا ينسجون الغزل، أي شباك الصيد». أما طرق الصيد فهي متنوعة ومنها تطويق السردين خلال النهار وفي الليل على ضوء المصابيح» اللوكسات».

السهر والأعراس

كما يستذكر الشيخ المصري أن أهالي الطنطورة اعتادوا على السهر عند ساحل البحر حيث انتشرت العرائش التي كانت تباع فيها فيها الأطعمة والمشروبات منها الشاي والقهوة للبحرية ولعمال الميناء. لافتا الى وجود مسابح للرجال ومسابح للنساء، فيما كانت تستمر السهرات في الصيف حتى الصباح والناس كانت تتناول عادة السمك المشوي. ويوضح أن الأعراس كانت عادة تتم على شكل «سحجة « على الساحل. ويقول إن هناك صخرة كبيرة من جهة الشمال دأب العرسان على الجلوس عليها ومن أمامها الخيل والخيالة والسبق والسحجة والسهرة.
وينوه إلى أن الطنطورة كانت من الموانئ القليلة في فلسطين في فترة الدولة العثمانية وإليها كانت تصل البضائع من سوريا ولبنان ومصر وتركيا ومن غزة، وكانت المياه بعمق أربعة أمتار وكانت البضائع تصل يوميا ويدفع مستوردوها ومصدروها جمارك. ويتابع بلغته العامية «كانت سفن ولانشات ترسو في الميناء. أيام السردينة كانت بلاد كثيرة تيجي لعنا وكان والدي عنده عريشة يعمل فيها شاي وقهوة وهريسة. كل يوم تطلع من عنا شاحنتين سردين ومرات يصدروه للبنان وإلى غزة لأن الطنطورة مراعي السردينة» .
وعن قصة تسمية الطنطورة بـ «أم العطورة» يبتسم الشيخ المصري ويلفت الى كونها مقالات شعبية. ويضيف «بس روح افهم إذا عطورة ولا عثورة ؟ يعني الهمل أو القبضايات (الأسود) لكن البلد منيحة الحمد لله».
واستشهد شقيقه عيسى سوية مع والده في مذبحة صهيونية شهدها أبو جميل مباشرة. وعن ذاك اليوم الأسود قال «كنا 14 واحدا لكنهم تركوني انا وكمان طفل كان عامل عملية جراحية اسمه طه أبو صفية. طلعونا وعلى بعد عشرة امتار طخوا البقية. وقتها لقينا واحد يهودي مصاوب فسألني وين رايح ولا؟ فقلت انا رايح عند الأولاد فقال لي: يلا روح تخيب فقلت: ليش بتقولي تخيب فقام ضربني وطرحني وبعد ثوان طخ الزلام ومنهم أبوي وأخوي ودفنوهن كلهن في قبر جماعي وين موقف السيارات اليوم. في موقع ثاني… وين العمارة واقفة اليوم اطلعوا عشرات من الشباب على المعتقلات وبقي 30 واحد فطخوهن». مذكّرا باستشهاد 138 رجلا وثلاث نساء منهن من الطنطورة كانت إحداهن ذاهبة لتخبز ولم تدر ما يجري إضافة إلى سيدة أخرى كانت قد تركت أطفالها في بيت الشيخ المصري بعدما سمعت عن إطلاق النار على شقيقها فسارعت للتثبت مما سمعته وهي تحمل جرة ماء على رأسها فأطلقوا رصاصة عليها ولما وصل أهالي الفريديس لدفن القتلى قالوا إن الجرة ظلت سالمة ولم تصب بأذى».

حفر الشهداء قبورهم قبل إعدامهم

يؤكد عدد من المؤرخين العرب واليهود أن مجزرة الطنطورة المصادفة ذكراها في الثالث والعشرين من مايو/ أيار (أي بعد قيام إسرائيل وجيشها) من أبشع المجازر التي ارتكبتها الصهيونية في فلسطين. ويشير المؤرخ الدكتور مصطفى كبها إلى أن الجيش الإسرائيلي اختار الهجوم على قرية الطنطورة كونها الخاصرة الأضعف ضمن المنطقة الجنوبية لحيفا لأنها تقوم على ساحل البحر المتوسط وسهلة الاحتلال بعكس سائر القرى المجاورة على قمم جبل الكرمل.  كما يلفت إلى عصابات اختارت الطنطورة بالذات لا لسهولة مهاجمتها فحسب بل لكونها مرفأ منه كان يصل السلاح للفلسطينيين. وأضاف «تركت المجزرة في الطنطورة أثرا بالغا على الفلسطينيين في القرى المجاورة ومهدت لتهجيرهم».

مقاومة شريفة

ويؤكد الحاج فوزي محمود أحمد طنجي (أبو خالد) أحد الناجين من المجزرة والمقيم في مخيم طولكرم اليوم في شهادته أن قشعريرة تجتاحه كلما يتذكر كيف تم ذبح أبناء عائلته وأصدقائه أمام ناظريه:» أخذنا الجنود لمقبرة القرية وهناك استوقفونا في صفوف وجاء قائدهم وقال مخاطبا إياهم: «خذوا عشرة منهم» خلف أشجار الصبر وارموهم بالنار وهكذا صار.. ثم عادوا وأخذوا عشرة آخرين لإخلاء الجثث ودفنها في حفرة حفرناها بأيدينا قبل أن يطلق النار عليهم». ويتابع وشرار الغضب يكاد يقفز من ناظريه: «هكذا تكرر تباعا..»
وروى أبو خالد أن الجنود اصطحبوا من تبقى على قيد الحياة الى شاطىء البحر استعدادا لجمع ما تبقى من السلاح في المنازل، مشددا على أن رجال القرية دافعوا بشرف عن القرية منذ منتصف الليل حتى نفدت ذخيرتهم في السابعة صباحا. وعلى شاطىء الطنطورة أخذ الجنود يفتشون الرجال فعثروا على ورقة حملت أسماء حراس القرية المسلحين ومسؤولهم توفيق الهندي، فأخذوا ينادونهم بالاسم كما يؤكد أبو خالد فيقتلون كل واحد منهم بعد إحضار البنادق التي فرغت من الرصاص منذ الليل الفائت. ويضيف «عندما نادوني تجاهلتهم فأخذوا ابن عمتي حسين سعد طنجي ليرشدهم علي من بين الرجال فمر عني وشاهدني جالسا بينهم ورغم تلاقي عيوننا لم يخبرهم عني خوفا من قيامهم بقتلي فخفت أن بدوري أن يقتلوه بدلا مني فكشفت عن هويتي فاقتادوني لجلب السلاح من منزلنا».

حفر القبور

ويستذكر أبو خالد أنه في الطريق للبيت بحثا عن السلاح أطلق الجنود المرافقون له النار على سليم أبو الشكر (75 عاما) ويضيف «عندما وصلنا البيت كان الباب مقفلا، والدماء تسيل من تحت الباب، فخلت أنهم قتلوا أمي فدخلت ودموعي على خدي فوجدت كلبي مقتولا، ولم أجد أمي فقلت لهم: لا أعلم أين أمي أخفت السلاح، فدفعني أحد الجنود وأرجعوني نحو الشاطئ وفي الطريق  فتحوا النار على السيدتين عزة الحاج ووضحة الحاج».
ويؤكد الناجي من المجزرة بعيون تقطر بالأسى أن الجنود قتلوا ما بين 20 إلى 30 شابا بالقرب من بيت آل يحيى عند الساحل. ولما عادوا وضع الجنود أبو خالد مع مجموعة من الرجال مكتوفي الأيدي، فاستغل جلوسه في نهاية الطابور فحّل وثاقه وزحف نحو المجمع الكبير لسائر سكان القرية وبذلك نجا. وحسب رواية أبو خالد فصل الجيش بين الرجال ممن أجبروا على الركوع وبين النساء والأطفال والشيوخ. وكشف أن أحد الجنود حاول الاعتداء على فتاة من عائلة الجابي، فنهض أبوها لنجدتها فقتلوه طعنا بالحراب، فيما واصل الجنود تفتيش النساء وسرقة ما لديهن من حلي ومجوهرات. ويعود أبو خالد ليشدد على جريمة الجنود حينما أمروه وآخرين بحفر خندق بطول 40 مترا، وبعرض 3 أمتار، وعمق متر واحد داخل المقبرة ثم بدأوا باقتياد دفعات من رجال الطنطورة لنقل الجثث ورميها في الخندق وعندما حاول فيصل أبو هنا، مقاومتهم، قتلوه بحراب البنادق». ويضيف «لو عشت ألف سنة لن أنسى ملامح وجوه الجنود فقد بدوا لي مثل ملائكة الموت، وأنا انتظر  دوري متيقنا أنها لحظاتي الأخيرة. ليتني مت هناك بدلا من التهجير وحمل هذه القصة حتى اليوم».

تعليقات القراء