أردن الإخبارية – Jordan News » معرض الصور » أطباق القش.. إحياء للتراث ومصدر رزق لعجوز فلسطينية

أطباق القش.. إحياء للتراث ومصدر رزق لعجوز فلسطينية

أضيف بتاريخ: 20 مارس 2019 8:45 ص

 

أردن – بصعوبة بالغة تمرر العجوز الفلسطينية فاطمة اللحام، بأصابعها المرتعشة إبرة معدنية صغيرة في نهايتها قشة ذهبية مرنة، بين ثنايا أعواد من سعف النخيل ونبتة “الحلفاء” متراصة بدقة على شكل دائرة حلزونية.

كما تخرجها من الجانب الآخر لتتناسق مع مثيلاتها في نسيج من القش، ليصبح الشكل الأخير طبقًا، ربما يحتاج إلى ما يزيد عن 35 يوما قبل عرضه في أسواق قطاع غزة.

“اللحام” لا تشعر بالملل من تكرار العملية السابقة مئات المرات يوميا، فقد اعتادت منذ 55 عاما على الجلوس لساعات طويلة لنسج أواني القش، وإنتاج السلال وأطباق الطعام والزينة بأحجام مختلفة، لطالما أنها مصدر رزق زهيد ووحيد لعائلتها.

وتبدأ السيدة رحلتها الطويلة، التي تحتاج إلى صبر، كما تقول لمراسل الأناضول، بجمع سعف النخيل، ونبتة “الحلفاء” من الأراضي الخالية، قبل أن تقوم بتجفيفها تحت أشعة الشمس في عملية تستمر لعدة أيام.

ولا تترك الأوراق تحت أشعة الشمس دون مراقبة، فتجفيفها لفترة طويلة قد يؤدي إلى تشققها أو تكسرها أثناء الصناعة، وعدم وصولها لمرحلة الجفاف القياسية قد يؤدي إلى تعفنها.

لذلك تنتظر العجوز الغزية تحوّل لون الأوراق من الأخضر إلى الذهبي الباهت، قبل أن تضعها في أكياس من النايلون أو “الخيش” لتحافظ على ما تبقى من رطوبتها.

وفي مرحلة متقدمة تنقع “اللحام”، التي تقول إنها ربما تكون “آخر من يمارس هذه المهنة اليدوية الشاقة بقطاع غزة”، الأوراق المجففة التي ستستخدمها في ذات اليوم فقط، بالمياه الباردة لمدة 35 دقيقة أو الساخنة لمدة 20 دقيقة، قبل أن تبدأ بحياكتها.

أمّا عملية الحياكة، فلها تكتيك خاص أيضًا، إذ تبدأ بصناعة عقدة صغيرة من سعف النخيل تحيطها بأعواد نبتة “الحلفاء” المرنة، لتعود وتنسج حول هذه الأعواد أوراق نخيل ذهبية وأخرى تصبغها باللونين الأحمر والوردي بواسطة إبرة صغيرة.

وتحتاج صناعة أواني القش إلى ذهن صاف وتركيز شديد، لأن أي خطأ في دقة تناسق الأعواد قد يكلف “اللحام” خسارة ساعات طويلة من العمل، فعليها التخلص بشكل كامل من الجزء غير المتناسق وإعادة صناعته من جديد.

وتطلق العجوز على مهنتها اسم “مهنة طولة البال” (الصبر الطويل)، فسلة الخبز أو طبق الطعام سيحتاج لما يزيد عن الشهر من العمل لمدة ثلاث إلى أربع ساعات يوميا لإتمامه.

وقبل أكثر من 20 عاما، كانت السيدة تصنع مع والدتها عشرات من أواني القش التراثية، وتعرضها للبيع في أسواق مدينة خانيونس، جنوبي القطاع، وكمية من البضاعة كان يشتريها تجار ويصدروها للأسواق الأوروبية والخليجية.

لكن بعد الاعتماد على الأواني المستوردة والبلاستيكية، تراجع الإقبال على منتجات القش وتحولت لمجرد تحف للزينة، لذلك باتت “اللحام” تصنع منتجاتها بناء على طلب الزبائن فقط.

ورغم عدم الإقبال الكبير على هذه الصناعة، إلا أنها تعد مصدر رزق للعجوز “اللحام” وزوجها الثمانيني، إضافة لما تحصل عليه من مساعدات إنسانية من مؤسسات خيرية.

ولا يزيد مجموع دخلها من هذه الصناعة في الشهر الواحد عن 100 شيكل (25 دولارا)، لأنها لا تتمكن خلال الشهر من صناعة سوى منتج واحد فقط، كما تقول للأناضول.

وإضافة إلى كون هذه المهنة مصدر رزق لها، فإن “اللحام” تعتقد أنها تحافظ على جانب مهم من التراث الفلسطيني من خلال مواصلتها لصناعة أواني القش.

وتتمنى المرأة العجوز أن تدعمها أي جهة لتنقل خبرتها إلى أجيال جديدة، وتزيد من إنتاجها وتطوره حتى لا تندثر المهنة في المستقبل.

ومنذ عشرات السنين كانت صناعة القش مصدر دخل للنساء في العديد من المناطق الريفية الفلسطينية، إلا أنها تراجعت منذ سنوات بسبب ظهور العديد من الصناعات من الحديد والخشب والبلاستيك، وباتت منتجاتها تباع في المتاجر التراثية.

تعليقات القراء