أردن الإخبارية – Jordan News » مقالات مختارة » السيول وما حملت

السيول وما حملت

أضيف بتاريخ: 12 نوفمبر 2018 10:48 ص

في أحد الفيديوهات كان أحدهم يصرخ”البترا راحت”،وفي فيديو ثان كان بضعة أشخاص يفبركون مشاهد غرق أطفال،مصحوبة بسباب على الحكومة والبلد”التي أكلها الفساد”.
كان”التهييج” في بعض الأحيان يفوق هيجان المياه المتدفقة في السيول والوديان.وغير مستبعد أبدا أن بعضا ممن شاهدوا فيديو البترا صدقوا أن المدينة الوردية ضاعت من بين أيدينا للأبد، غير مدركين أن عمرها الذي ناهز قرنين وأزيد، ومر عليها من المتغيرات المناخية مالا يمكن وصفه، ستبقى صامدة في وجه سيل عارم.
ولولا تدقيق وسائل إعلام ومختصين بفيديو غرق الأطفال المفبرك لما انتبه الناس للحقيقة، وسايروا الغاضبين والساخطين.
لكن ذلك ليس سوى جزء صغير من الصورة، فثمة حقائق مؤلمة فيما حدث راح ضحيتها صغار أبرياء وكبار جرفتهم السيول. وفي الصورة أيضا مشاهد لرجال إنقاذ شجعان كافحوا لساعات طويلة بحثا عن مفقودين وناجين.
لم يكن لجهة مختصة مهما بلغت من الخبرة أن تحدد بدقة المناطق التي ستتأثر بحالة عدم الاستقرار الجوي، فعلى الطريق الصحراوي على سبيل المثال كانت هناك مناطق مشمسة وعلى بعد عدة كيلومترات منها سيول جارفة.
الجهات الرسمية استبقت الحالة الجوية المتوقعة بتحذيرات متكررة للمواطنين بالابتعاد عن مناطق السيول والأودية وتجنب الطرق الوعرة والمنحدرة. درجة الاستجابة من طرف المواطنين تحسنت مقارنة مع ما كان عليه الحال قبل فاجعة البحر الميت.
في عديد المناطق الصحراوية يتغلب نمط الحياة على الرسائل التوعوية، فنرى بيوت الشعر منصوبة على جوانب الوديان لاعتبارات معيشية، بينما لا يجد الفقراء بديلا عن بيوتهم المتواضعة حتى لوكانت في جوف الوادي.
من الضروري هنا مراجعة أنظمة البناء وتحديد المناطق الخطرة التي لا يسمح البناء فيها، وفرض هذه التعليمات بقوة القانون. لكن في مناطق أخرى تشكل مصدرا جديا للخطر ينبغي على الجهات المختصة أن لا تكتفي بالتحذيرات. طريق الوالة على سبيل المثال يجب إغلاقها تماما في وجه الحركة المرورية في مثل هذه الظروف الجوية. ولابد من التفكير بنشر وحدات إنقاذ متنقلة في المناطق المهددة بالسيول، والتوسع في استخدام طائرات الإسعاف والإنقاذ الصغيرة كالتي تستعملها دول كثيرة في العالم، لتقديم المساعدة العاجلة للمنكوبين أو المهددين بالسيول.وتطوير نظام تتبع للسيول حال تشكلها لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بالمناطق المهددة قبل أن تجتاحها الفيضانات.وتجهيز مراكز  للإيواء والإخلاء.
تجارب الإنقاذ العالمية دائما ما تصاحبها أخطاء في الميدان، وقد شهدنا انتقادات لاذعة لفرق الإنقاذ الأميركية خلال عملها في الأعاصير الأخيرة التي ضربت ولايات أميركية عدة.لكن ذلك لايقلل من الجهود الجبارة والتضحيات التي يقدمها أفراد الطواقم. مثل هذه المواقف تحصل في بلادنا رغم الفوارق الشاسعة في الإمكانيات بيننا وبين أميركا.
لابد وأن نتعلم من أخطائنا وتجاربنا،لكن وسط ذلك كله يجب لا تغيب عن بالنا صور رجال الدفاع المدني والدرك والقوات المسلحة وهم يغوصون في الوحل لساعات وساعات بحثا عن طفلة مفقودة،كما لا يجدر بنا أبدا ونحن نبحث عن الاختلالات في الأداء أن ننسى وجه الشهيد حارث ناصر عبدالله الزقيمي،الذي ضحى بحياته أثناء أداء الواجب.

بقلم :

تعليقات القراء