أردن الإخبارية – Jordan News » محليات » هكذا كان “الدوار الرابع” وهؤلاء كانوا روّاده في “هبّة رمضان”

هكذا كان “الدوار الرابع” وهؤلاء كانوا روّاده في “هبّة رمضان”

أضيف بتاريخ: 12 يونيو 2018 5:57 م

أردن الإخبارية – فريق التحرير

“الدوار الرائع”، هكذا وصفه البعض بدلا من “الدوار الرابع”، الذي شهد “هبة رمضان” الشعبية السلمية المركزية وسط عمان، وشملت طبقات وفئات ومكونات مختلفة ومتنوعة من المجتمع الأردني.

لعل هذه الاحتجاجات كانت أحد أهم حالات الحراك في تاريخ الأردن الحديث، لأنها تجاوزت الهويات المناطقية والفرعية بكل أنواعها، في حين تصدرها أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة.

نحاول في هذه المادة رسم خارطة مجتمعية للفئات التي كانت شاهدة على ٧ أيام من الحراك والاحتجاج السلمي على الدوار الرابع وسط عمان، من هؤلاء المحتجون، وكيف امتاز “ولاد التسعينات” و “سبيستون” وفعلوا ما لم يفعله غيرهم وأسقطوا حكومة وقانونًا من أكبر القوانين.

بداية، لنقل إن ما أعطى أهمية لهذه الاحتجاجات، الدخول غير المسبوق على الخط لطلبة الجامعات وبالأخص طلاب الجامعة الأردنية، حيث كان الطلبة عصب الحراك على الدوار الرابع ومصدر قوته، إذ تولوا التنظيم والصفوف الأولى ورفع الشعارات وترديد الهتافات التي كانت تتطور يومًا بعد يوم، شكلًا وابداعاً. كيف لا ولهم في ذلك سابقة عندما نفذوا الاعتصام المفتوح احتجاجا على رفع الرسوم الجامعية في العام 2016.

فهم كما يحلو لهم أن يطلقوا على أنفسهم وسط هذا المعمعان، “جيل سبيستون” أو “جيل التسعينيات”، الذي تمكن من إسقاط حكومة الملقي، في إشارة منهم بعد فخرهم بأنفسهم إلى صغر سنهم وريعان شبابهم وجيلهم، لكنهم مع ذلك استطاعوا بقيادتهم وتصدرهم للاحتجاجات، أن يساهموا بشكل فاعل وكبير برحيل الحكومة، وإنهاء عناد الملقي وغرور وزير المالية عمر ملحس، قائلين: “طل وشوف يا وزير.. اسمع صوت الجماهير”..”وهات يا هالشعب هات.. احنا جيل التسعينات”، وغيرها من الهتافات الحماسية.

وعليه، فإن الناظر للخريطة العمرية للمشاركين في الاحتجاجات، لاحظ صغر السن للغالبية العظمى وهم من طلبة الجامعات، الرقم الأصعب والأهم، والشريحة الذهبية في الخريطة الذين جاءوا بنسخة تنقيحية أو تصحيحية لثورات الربيع العربي.

جسم بلا رأس

أما المراقب للخريطة الفكرية للمشاركين، فقد وجد حالة من الصحوة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ارتكزت على وحدة وطنية ذابت من خلالها كل المنابت والأعراق، فتجد ابن القرية والبداية والمدينة والمخيم، من الشمال وحتى أقصى الجنوب، وهذه وحدة وطنية غير مسبوقة، عمودها الفقري محاربة الفساد والفاسدين. 

أسقطت “هبة رمضان”، أي نظرة سلبية مصطنعة عن الشعب الأردني، وأسقطت المزاعم السطحية عن عدم إمكانية تحرك هذا الشعب للمطالبة في حقوقه

لا نملك إجابات واضحة ومتمكنة من المرحلة القادمة بعد نجاح الاحتجاجات في تحقيق أهدافها، لكن المؤكد أن عصب الحراك ومقدمته من طلبة الجامعات، والجامعة الأردنية على وجه الخصوص، الذين تمكنوا من استنساخ اعتصامهم المفتوح الصغير الذي مثل آلاف من الطلبة داخل حرم جامعتهم، إلى اعتصام كبير مثّل ملايين من الشعب المقهور، على الدوار الرابع.

أسقطت “هبة رمضان”، أي نظرة سلبية مصطنعة عن الشعب الأردني، وأسقطت المزاعم السطحية عن عدم إمكانية تحرك هذا الشعب للمطالبة في حقوقه، لأسباب تتعلق بالتشكيلة الديمغرافية أو بإسقاطات تاريخية، وأكدت على أن هناك هوية جامعة لكافة الأردنيين، يجري تأكيدها واكتشافها في الشارع.

ما ميز هذه الاحتجاجات عما سبقها، أنها كانت جسم بلا رأس يقودها، رغم إطلاق النقابات المهنية شرارتها، عندما أعلنت إضرابا عن العمل في 30 حزيران/يونيو الماضي، وقد سلط “مركز هوية للتنمية“، الضوء على هذا الأمر.

مركز هوية: الذي قاد الاحتجاجات هي الطبقة الوسطى التي غابت فعليا عن المشاركة في أي عمل سياسي منذ عقود

إذ رأى المركز أن “الاحتجاجات أصبح لها شكل جديد، حيث تميزت بعدم وجود أطر محددة للمشاركين فيها، فضلا عن غياب القيادات التقليدية لمثل هذا النوع من التظاهرات، وبروز دور الشباب كقادة ميدانيين عفويين للتحركات على الأرض، علما بأن الجموع التي شاركت كانت تضم بين صفوفها نشطاء حزبيين ونقابيين”.

ولم يغفل المركز أن “الذي قاد الاحتجاجات هي الطبقة الوسطى التي غابت فعليا عن المشاركة في أي عمل سياسي منذ عقود، وهو ما يفسر الزخم الذي تتميز به هذه الاحتجاجات، إضافة إلى كونها عقلانية إلى حد كبير وبعيدة عن الصدام مع أجهزة الدولة الأمنية”.

ولم يهمل “هوية” دور منصات التواصل الاجتماعي، التي “لعبت دورا مؤثرا في الاحتجاجات، فمن ناحية شكلت أداة فعالة للتواصل بين الأردنيين لغايات التحشيد والتحفيز على المشاركة في الإضرابات والمظاهرات، مما كان له دور في تشجيع الناس على النزول للشارع”.

وحتى يكتمل المشهد، دخل على خط الاحتجاجات في صورة لافتة، عشائر لطالما كانت محسوبة على الدولة مثل عشيرتي بني صخر وبني حسن، حيث أصدرت الأولى بيانا اعتبر شديد اللهجة، دعا المواطنين للاحتشاد في الشوارع، وما هي إلا ساعات على صدور البيان حتى أغلق محتجّون يتبعون للعشيرة، طريق مطار الملكة علياء الدولي، كما كان لهم حضور فاعل على الدوار الرابع في السادس من حزيران.

أما الثانية، فقد شاركت قبيلة بني حسن التي أصدرت بيانًا أيضًا، حمل عنوان “طفح الكيل وبلغ السيل الزبى”، داعية أبناءها للاحتشاد في الشوارع، وهو الأمر الذي دفع القوات الأمنية لإعلان حالة الطوارئ على مستوى قوات الشرطة والدرك، ليبدو المشهد هذه المرة مفتوحاً على مختلف الاحتمالات.

الدولة في مواجهة أشكال مختلفة من الاحتجاج

حسب رئيس مركز “البديل للدراسات والأبحاث” الباحث جمال الخطيب، فإن “شكل الاحتجاج كان مفاجأة مذهلة لصناع القرار في الدولة، دفع المواطنين إلى الشارع وتنظيم المسيرات والاعتصامات، واستخدام الصحافة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي”.

ووفق الخطيب فإن “المشاركة في الاحتجاجات شملت كافة مكونات المجتمع، في الوقت الذي برزت فيه الطبقة الوسطى التي غابت عن المشهد لسنوات طويلة”.

حافظ الحراك على طابعه السلمي وذكاءه في استخدام الهتاف ورفع الشعارات وخفضها من حين لآخر، وهذا كان له تأثير كبير في رفع مستوى التعاطف الشعبي معه

في الأثناء، يمكن القول إن الهدوء المعهود الذي ميز عمّان عبر تاريخها الحديث، تغير فجأة وتطور دراماتيكيا، فالأردنيون يشهدون فصلاً جديداً ومثيرا من تاريخ بلدهم، جاء على إيقاع الاعتصامات والإضرابات، حيث خروج الشباب والكهول والنساء والأطفال في أكثر من أربعين مدينة وبلدة وقرية وميدانا وحيا، دون التسبب بأضرار أو تدمير الممتلكات والمرافق العامة، إلا بعض الاستثناءات في مناطق شمالية وجنوبية بداية الاحتجاجات.

من خالط المحتجين على الدوار الرابع، كان يلاحظ سيطرة الإحساس بالضيم والقهر على عقول وقلوب ولغة المشاركين في الاحتجاجات ودوافعهم، فالكثير تساءل عن سبب استمرار عيش الأردن في أزمات مزمنة، ولماذا بقي يواجه أبسط المشكلات المعيشية لعقود، في الوقت الذي تتقدم فيه الكثير من البلدان التي لا تملك مقومات التقدم.

وهذا ما أكده الشاب روحي مناصرة، أحد من شاركوا في الاحتجاجات على الدوار الرابع، مشددا على أن “مطالبه ومطالب المحتجين اقتصرت  على البعد الاقتصادي دون السياسي، لأنه لا حاجة لنا بضرائب جديدة ولأن دخول المواطنين لم تعد تكفي سد الرمق لحياتهم ومتطلّباتهم المعيشية”.

بعبارة أخرى، تمنى مناصرة “تشكيل حكومة جديدة، ذات سياسات تنعكس على تحسين المستوى المعيشي والاقتصادي للمواطنين، حكومة تشعر بوجع الناس وآلامهم، وتحمل رؤيا واضحة في معالجة القضايا والمشاكل الاقتصادية”.

كان واضحاً أن التحرك الشعبي بلغ من النضج درجة استفاد من سلبيات التحركات السابقة، حيث حال دون وقوع أي اعتداءات على الممتلكات العامة، وحافظ الحراك على طابعه السلمي وذكاءه في استخدام الهتاف ورفع الشعارات وخفضها من حين لآخر، وهذا كان له تأثير كبير في رفع مستوى التعاطف الشعبي معه، وانضمام قطاعات لم تعتد المشاركة في مثل هذه الاحتجاجات. وهذا ما ميّز هذا الحراك بالفعل عن ما سبقه من احتجاجات قبل نحو ٧ سنوات إبّان الربيع العربي.

وهذا ما عبر عنه المحلل السياسي محمد أبو رمان عبر مقاله “مانفيستو الشباب الأردني“، واصفا المشهد بـ”الحضور المتنوع والمتعدد من الشباب المعولم وطلاب الجامعات والطبقة الوسطى وأبناء المحافظات، علاوة على خليط كبير من الكبار والشباب والصغار، نسبة كبيرة منهم لم يسبق لها أن عملت بالمجال السياسي، ونسبة معتبرة من أبناء الحراك الشعبي 2011”.

وجاء في المقال أن “هذا الحشد الكبير الاحتجاجي يجمع بينهم الغضب والسخط على الوضع الحالي، والشعور بخيبة أمل كبيرة تجاه السياسات، والأهم عدم وجود رسالة مقنعة من الدولة تجاههم، ولديهم حالة عدم أمان كبيرة تجاه الوضع الحالي وعدم ثقة بالحكومات وبإمكانية التغيير، لذلك يرون أنّ تغيير رئيس برئيس لن يؤدي إلى نتائج مختلفة ومغايرة”.

كان ينهي بعض المتظاهرين احتجاجاتهم بتناول وجبة السحور مع الأمن على صحن واحد، بعد أن يستنفدوا طاقاتهم بالهتافات والمدافعات والمناوشات مع قوات الدرك

بالحديث عن الاحتجاجات، لا يمكن إغفال التطرق للمشاهد الفريدة التي رافقت وصاحبت تلك الاحتجاجات، فقد أظهرت لقطات فيديو نشرها ناشطون، تناول المتظاهرين ورجال الأمن والدرك طعام الإفطار سويا، حيث كان يفترش العشرات من عناصر الأمن الأرض في مكان الاحتجاج اليومي، لا تميزهم سوى البدلات الرسمية عن فئات الشعب.

فرغم سخونة وحالة الغليان التي كانت تسود الشارع في تلك الأيام، والاحتكاك المتواصل بين قوات الأمن والدرك، إلا أن روح الفكاهة والتسلية والموسيقى، لم تغب عن أجواء المظاهرات على الإطلاق، وكثيرًا من المواقف تم تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي حول ذلك.

فقد توزع أوقات المتظاهرين بين ترديد الهتافات المطالبة بإسقاط الحكومة، وبين حفلات السهر ولعب ورق “الشدّة”، والعزف على العود وترديد الأغاني الوطنية والأناشيد الحماسية، في حين يصطف أبناء العشائر القادمين من خارج العاصمة الأردنية عمان صفا واحدا لرقصة “الدحية” المعروفة في البلاد.

كان ينهي بعض المتظاهرين احتجاجاتهم بتناول وجبة السحور مع الأمن على صحن واحد، بعد أن يستنفدوا طاقاتهم بالهتافات والمدافعات والمناوشات مع قوات الدرك.

في المقابل، ورغم كثرة المتظاهرين والتدافع في أرض الاحتجاجات، فإن أفراد قوات الأمن والدرك حرصوا على توزيع قارورات المياه على المتظاهرين، بينما أحضر متظاهرون المياه المبردة والعصائر وبعض الحلويات، ووزعوها على رجال الأمن في جو من الأخوة الوطنية.

وفي مشهد فريد من نوعه ولم يتكرر في تاريخ الاحتجاجات الأردنية، لم تغب العائلات الأردنية والأطفال عن الحدث، إذ شهدت ساحات الاعتصام أطفالاً اعتمروا على رؤوسهم الكوفية الأردنية الحمراء، وساعد بعضهم على ربطها رجال الأمن العام والدرك. ووجد الباعة المتجولون ضالتهم في ساحات الاحتجاجات، فهذا يبيع على عربته كعك بالسمسم، وآخر يصنع المشروبات الساخنة والعصائر الشعبية، وثالث يبيع أنواع المعجنات والفطائر.

وكان وفي ختام كل ليلة احتجاجية، وعند ومغادرة المتظاهرين، يبدأ متطوعون بكل حب وصدق، بجمع مخلفات المحتجين لترك المكان نظيفا، استعدادا لاستقبال المحتجين في اليوم التالي، الذين لم يكلّوا ولم يملّو، حتى أسقطوا حكومة عنيدة، وقانون جبايبة كبير.

تعليقات القراء