أردن الإخبارية – Jordan News » محليات » مفاوضات جديدة.. متى يتخلص الأردن من سطوة صندوق النقد؟

مفاوضات جديدة.. متى يتخلص الأردن من سطوة صندوق النقد؟

أضيف بتاريخ: 7 سبتمبر 2018 5:54 م

أردن الإخبارية- فريق التحرير 

عقب إعلان الحكومة على لسان نائب رئيس الوزراء رجائي المعشر، عن أنها طلبت الدخول في مفاوضات جديدة مع صندوق النقد الدولي، على أن تقدم خلال المفاوضات رؤية تتناسب مع احتياجات البلاد والمتغيرات المحلية.

بات المواطنون يترقبون بقلق النتائج والقرارات الحكومية التي ستتمخض عن زيارة بعثة الصندوق إلى عمان، التي تستهدف إجراء مراجعة ثانية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، واستكمال المفاوضات حول موعد تطبيق مشروع قانون ضريبة الدخل.

وقد أعلنت الحكومة في 14 يونيو/حزيران الماضي، سحب مشروع قانون ضريبة الدخل، الذي أثار غضب الشارع وأدى إلى اندلاع احتجاجات شعبية، نتج عنها إقالة حكومة هاني الملقي، وتكليف الرزاز بتشكيل حكومة جديدة.

تفيد التسريبات بأن صندوق النقد الدولي، يضغط لإعادة مشروع قانون ضريبة الدخل المسحوب

لكن التسريبات تفيد بأن صندوق النقد الدولي، يضغط لإعادة مشروع قانون ضريبة الدخل المسحوب، وسط رفض مستغرب من قبل ممثليه للتعديلات التي أدخلتها الحكومة على القانون.

حيث تشكل هذه التطورات صدمة داخل الأوساط الأردنية، حيث أن موقف الصندوق الجديد يناقض شكلا ومضمونا التصريحات التي صدرت عنه، غداة انتهاء الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في شهر رمضان الماضي.

حينها دعم الصندوق الموقف الرسمي، إذ رحب المتحدث باسم صندوق النقد الدولي جيري رايس، بدعوة إجراء حوار وطني، لمعالجة التحديات الاقتصادية التي تواجه الأردن، واعتبرها خطوة إيجابية على المسار الصحيح.

وبينما ربطت بعض الجهات المانحة ودول خليجية صرف المنح والمساعدات بإقرار مشروع قانون الضريبة، ألمح ممثلو الصندوق إلى أنه لن تجرى المراجعة الثانية إذا لم تتم الاستجابة لرغابته، وهو ما يضع حكومة الرزاز في موقف حرج.

في السياق، قال مسؤول دائرة الشرق الأوسط ووسط آسيا في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، إن “الصندوق يمارس ضغوطا على حكومة الأردن لزيادة ضريبة الدخل، وتوسيع دائرة الخاضعين لها، وذلك في سياق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي اتفق عليه الجانبان العام الماضي”.

ألمح ممثلو الصندوق إلى أنه لن تجرى المراجعة الثانية إذا لم تتم الاستجابة لرغابته

وأفاد أزعور بأن “الضريبة على الأفراد في الأردن لا تحقق إلا دخلاً قيمته 140 مليون دولار سنوياً، ولا تمثل سوى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد”، مشيرا إلى أن “هناك كرم كبير في عملية الإعفاءات”، في إشارة منه الى عدم إخضاع شريحة كبيرة من المواطنين لضريبة الدخل.

وفي إطار تحقيق أهداف برنامج الصندوق، اتخذت الحكومة مع بداية العام الجاري، حزمة قرارات فاقمت من صعوبة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد، أبرزها زيادة ضريبة المبيعات إلى 10% على 164 سلعة، ورفع الدعم عن الخبز، وزيادة أسعار الوقود والكهرباء، إلى جانب فرض ضرائب نوعية ورسوم مقطوعة على مواد أخرى.

وفيما يتعلق بمدى قدرة الحكومة على الموازنة بين تحقيق شروط وضغوط صندوق النقد، وبين تمسكه بالانحياز لمطالب الشعب، أشار الخبير الاقتصادي خالد الزبيدي إلى أنه “من غير المرجح أن تتخلى الحكومة عن برنامج الصندوق، في الوقت الذي لا يوجد فيه أمام الصندوق خيارات، سوى الحث على زيادة الضرائب بهدف خفض الدين العام”.الزبيدي لـ”أردن الإخبارية” إنه “إذا ما استندنا للتجارب السابقة، فإن الحكومة سترضخ وترتهن للصندوق واشتراطاته.

الزبيدي: إذا ما استندنا للتجارب السابقة فإن الحكومة سترضخ وترتهن للصندوق واشتراطاته

وقال الزبيدي لـ”أردن الإخبارية” إنه “إذا ما استندنا للتجارب السابقة، فإن الحكومة سترضخ وترتهن للصندوق واشتراطاته”، منوها إلى أن “سياسات الحكومات الاقتصادية باتت تخضع لضغوط القائمين على الصندوق، وليس وفقا لمصلحتنا الوطنية وحاجاتنا التنموية”.

وحذر من “تدخلات الصندوق في السياسة الاقتصادية المحلية، الأمر الذي سينتج عنه مزيد من قوانين الضرائب والرسوم، في ظل نمو متواضع جدا وارتفاع بمعدلات البطالة وتراجع فرص الاستثمار”.

ودعا الزبيدي الحكومة إلى “الالتفات للكلف الاجتماعية والأمنية المحتملة، جراء الانصياع لاشتراطات صندوق النقد، الأمر الذي قد يرافقه اهتزاز بالمنظومة الأمنية والاستقرار الوطني، بالتالي نزول المواطنين للشوارع بهدف الاحتجاج كما حدث سابقا في هبة رمضان”.

لقد بدأت رحلة الأردن مع صندوق النقد الدولي في عام 1989، حيث عرف الأردن خلال عقد الثمانينيات أكبر الأزمات الاقتصادية في تاريخه، بدأت بوادرها منذ بداية العقد الذي شهد انخفاض أسعار النفط، فتراجع الطلب على الصادرات الأردنية، وعلى الأيدي العاملة الأردنية في دول الخليج، وانعكس ذلك سلبًا على التحويلات المالية الرسمية والخاصة إلى داخل البلاد، كما انخفضت المساعدات الخليجية إلى عمّان، فلم تتمكن من امتصاص آثار ذلك الركود.

نفذ الأردن مع صندوق النقد 6 برامج اقتصادية بين عامي 1989 و 2004

دخل الاقتصاد المحلي مرحلة خطيرة، ففقدت العملة الرسمية نصف قيمتها في فترة قصيرة، حيث هبطت قيمة الدينار الأردني من ثلاثة دولارات في 1988 إلى دولار ونصف في 1990، وانخفضت معدلات النمو ما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة، كما ظهر جليًا العجز في الميزان التجاري وفي الموازنة العامة، وانخفض حجم الاحتياطات الأجنبية بشكل مقلق، وغيرها من المؤشرات الاقتصادية التي أظهرت اختلالات هيكلية في الاقتصاد الكلي للبلاد.

حينها تلفت الأردن حوله يمينًا ويسارا، وفي ظل إحجام عربي عن المساعدة لم يجد من ينتشله من تلك الأزمة غير المؤسسات النقدية الدولية، وأبرزها صندوق النقد الدولي، وقد كانت تلك بداية سلسلة لن تنتهي من اللجوء الأردني إلى الصندوق عبر ثلاثة عقود، وبين عامي 1989 و 2004، نفذ الأردن مع الصندوق 6 برامج اقتصادية.

وعلى قاعدة رسم خطوط علاقة جديدة مع صندوق النقد، لبناء أسس مرحلة ضمن المتغيرات المستجدة والهوامش المتاحة، رأى الخبير المالي زيان زوانة، أن “للفريق المفاوض لصندوق النقد، دورا كبيرا في طرح الأفكار التي تتناسب وتتماهى مع احتياجات الاقتصاد المحلي، خاصة عقب هبة رمضان وإسقاط حكومة هاني الملقي”.

وقال زوانة لـ”أردن الإخبارية” إنه “لا بد من وجود رؤية واضحة للفريق المفاوض، فضلا عن الطرح الوطني الذي يتناسب مع الظروف الحالية”.

وحذر زوانة من “التفرد بملف التفاوض مع الصندوق من قبل شخص أو شخصين كما كان يحدث مع وزيري التخطيط والمالية”، داعيا إلى “التعامل والتفاوض مع الصندوق بشكل جماعي مؤسسي وليس انفرادي”.

من ناحيته، وصف جوزف ستيغليتز الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، الصندوق بأنه “ليس مهتما بالتنمية ولا بانتشال الدول من الفقر، بل بمصالح المؤسسات المالية”.

كل الدول التي سقطت في شراك الصندوق وبراثنه، عانت من شروط وإملاءات برنامج “التكيف الهيكلي” الذي يفرضه الصندوق لقاء الحصول على الأموال، ويتضمن سياسات تقشف وسياسة نقدية متشددة، وإعادة هيكلة وخصخصة لمؤسسات القطاع العام، وفتح الأسواق الوطنية والموارد للمستثمرين الدوليين، والشركات المتعددة الجنسيات.

اشترط صندوق النقد على الأردن أن يحرر الدينار مقابل إقراضه ففقد الدينار 35% من قيمته ما سبب ارتفاعا للأسعار بنسبة 25%

وكان للأردن نصيب من شراك الصندوق خلال العقدين الماضيين، فالواقع أن سياسات الصندوق وقروضه للحكومات المتعاقبة، لم تحقق أهداف برامج الصندوق التي تم تطبيقها لغرض زيادة معدلات النمو، وتخفيض التضخم ومعالجة الاختلالات الهيكلية، بل زادت الأوضاع الاقتصادية سوء.

منذ البداية، اشترط الصندوق على الأردن أن يحرر الدينار مقابل إقراضه، وأن يحرر أيضا نسب الفوائد، ففي أقل من 4 أشهر فقد الدينار 35% من قيمته، ما سبب ارتفاعا للأسعار بنسبة 25%.

وأدى تحرير الفوائد إلى ارتفاع أسعارها بنسب كبيرة، ما شكّل ضغوطا على أرباح المصارف، ودفعها إلى التنافس من أجل استقطاب الزبائن بغض النظر عن قدرتهم على التسديد، فكانت النتيجة ارتفاع نسبة القروض المتعثرة بنحو كبير، وانهيار ثاني أكبر مصرف في الأردن.

في غضون سنة بعد تدخل الصندوق، فقد الدينار 50% من قيمته، وتقلّص الاقتصاد بنسبة 13.5%، وبعد 3 سنوات فقط ارتفعت نسبة الفقر إلى 14.4%، ونسبة البطالة إلى 19% عام 1992، بعد أن كانت 8% عام 1987.

أما خبير الاستثمار وإدارة المخاطر، الدكتور سامر الرجوب، فقد دعا الحكومة إلى أن تكون “المبادرة للأفكار والطروحات التي تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية المحلية، لا أن تكون هي المتلقي على الدوام من صندوق النقد”.

الرجوب: على الحكومة ضرورة طرح برنامج وطني يتناسب مع الظروف الاقتصادية للمواطنين ويدعم النمو

وأكد الرجوب لـ”أردن الإخبارية”، على “ضرورة طرح برنامج وطني يتناسب مع الظروف الاقتصادية للمواطنين ويدعم النمو، بعيدا عن وصفات الصندوق”، مشددا على أن يكون المفاوض الأردني للصندوق “متمتعا برؤية وطرح يتناسبان مع التغيرات الأخيرة في المملكة”.

وطالب الرجوب الحكومة “بترتيب أوراقها التفاوضية من جديد، وترتيب طاقمها التفاوضي، الذي يجب أن يتضمن خبراء يعملون بروح الجماعة لا التفرد أو الاحتكار”.

لكن ماذا يحصل إن حاول الأردن التخلص من سطوة صندوق النقد وشروطه، ووقعت المواجهة بين الطرفين، يجيب على هذا السؤال الكاتب الصحفي سلامة الدرعاوي.

فقد قال الدرعاوي في مقال له تحت عنوان “الضريبة.. المُوَاجَهَة مع الصندوق”، إن “الصندوق حينها سَيُديرُ ظهره للحكومة، وسيكون لها تداعيات مُباشرة على الاقتصاد الوطني من أبرزها عدم تمكّن الحكومة من الحصول على حزمة المساعدات المقدرة في موازنة ٢٠١٨ وفق ما هو مخطط له، مما سَيُضاعفُ من تحديات الموازنة والعجز المالي الذي سيكون في وضع لا يحسد عليه، سيساهم في زعزعة الموازنة والاقتصاد وعدم تمكنها من تلبية الحدّ الأدنى من مُتطلبات التمويل الاساسية لنفقاتها العامة”.

وأضاف الدرعاوي ، أن “الامر لن يقتصر عند هذا الحدّ، بل سَينخفضُ التصنيف الائتماني للمملكة لدى مؤسسات التمويل الدولية، ولن تتمكّن الحكومة من الحصولِ على أية قروضٍ مُيَسرة، بل العكس سَترتفع درجة المخاطر الائتمانية للمملكة وستكون أسعار الفائدة للقروض مرتفعة جدا، وهذا الامر يُقودنا الى الحديث عن أزمة المديونية”.

تعليقات القراء