أردن الإخبارية – Jordan News » عربي ودولي » لماذا لم يكتف الاحتلال برصاصة واحدة لاغتيال أبو جهاد؟

لماذا لم يكتف الاحتلال برصاصة واحدة لاغتيال أبو جهاد؟

أضيف بتاريخ: 16 أبريل 2018 12:19 م

أردن – الشرفاء لا ينسون الشرفاء، والرجالُ تعرفُ قدر الرجال، وأمير الشهداء خليل الوزير رجلٌ عظيمٌ في كوكبة الرجال العظام، ومُعلمٌ ذو باعٍ طويلٍ وصاحبُ نظرةٍ عميقة في العمل العسكري، وصاحبُ تفكيرٍ استراتيجي، أبو جهاد موسوعةٌ تُدّرسُ في الإرادةِ القتالية والكفاح المسلح وأخلاقيات الثائر.

أسّس خليل الوزير “أبو جهاد” أول مكتبٍ لحركة فتح في الجزائر، وأقام فيها معسكراً تدريبياً للمقاتلين الفلسطينيين، ثم غادر إلى دمشق وأنشأ مقر القيادة العسكرية واستلم مسؤولية التنسيق مع الخلايا الفدائية داخل فلسطين، وفي عام 1967 شارك في الحرب عبر توجيه عدة عمليات عسكرية في منطقة الجليل الأعلى.

الرجلُ منذ استلامهِ زمام الأمور في القطاع الغربي بدت قيادة الاحتلال تعي خطره، ورأت أنه باتَ مصدر قلقٍ، فعملياته الكُبرى وعقليته النادرة وشخصيته الفذة جعلتهُ يوضعُ في خانةِ “الشهيد مع وقف التنفيذ”، علاوةً على ذلك فهو الرجل الثاني في حركة فتح، ونائب القائد العام لقوات الثورةِ الفلسطينيةِ، ومهندس الانتفاضةِ الأولى من الخارج إلى الداخل.

أشرف أبو جهاد على عملية فندق “ٍسافوي”، و”ديمونا”، وعملية الشهيد كمال عدوان التي قادتها الشهيدة دلال المغربي، إضافة لسلسلةٍ أخرى من العملياتِ الفدائيةِ المميزةِ، وكان أبرزها تخطيطاً “عملية اقتحام وزارة الدفاع الإسرائيلية”، والتي تدل على أن أبو جهاد شخصيةٌ فذةٌ تمتاز بكسرها للمألوف والتركيز على التنفيذ في عمق الأراضي المحتلة، فمن حصار طرابلس عام 1983، اتضحت معالم العملية النوعية والجريئة وقفزت إلى ذهن أبو جهاد الفكرة الكاملة لعملية “اقتحام وزارة الدفاع”، عبر إرسال 28 شاباً فلسطينياً مدرّبين لمدة 14 شهراً في باخرتي “ايتبريوس” و”مون لايت” للساحل الفلسطيني، وكان الهدف من العملية احتجاز جنودٍ وضبّاط لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين من خلال إنزالٍ بحري على أحد الشواطئ القريبةِ من تل أبيب، ثم مهاجمة وزارة الدفاع والسيطرة على حافلة، لكن فيما بعد تم تأجيل تنفيذ العمليةِ نظراً لاكتشاف الإحتلال باخرةً فلسطينية أخرى محملّة بالمدافع والذخائر كانت متوجهة لليمن، وفي النهايةِ أبحرت الباخرة “ايتبريوس” منتصف شهر نيسان من عام 1985، وكانت على اتصالٍ فقط بأبو جهاد شخصياً، وفشلت العملية بسبب اعتراض قوات البحرية الإسرائيلية للباخرة، وطلبت التعريف بهوياتِ طاقمها، الأمر الذي أدى لتبادل إطلاق النار بين المُقاتلين الفلسطينيين والزوارق الإسرائيلية، فأغرقت الزوارق الباخرة بالقذائف على بُعد 30 ميلاً من الشاطئ الفلسطيني المُحتل.

عند مشاهدتك الشريط المصوّر خلال تخطيط أبو جهاد للعملية والذي تم الكشف عنه لأول مرة مطلع عام 2012،  ستطبعُ في ذهنك صورةً شبه كاملة في ساعةٍ واحدة عن هذا الرجل، ساعةٌ لكنها ستكون كافيةً لتعرف من يكون!، ولماذا يُدرج على اللائحة السوداء المطلوبة للتصفية، أبو جهاد بكل وضوحٍ معلمٌ يبدأ من الصفرِ خلال تلقين طلابه دروس الإعداد العسكري والنفسي للمقاتل الثائر، ورغم تمتعهِ بالحماسةِ للإثخان في العدو إلا أنه يتوقف طويلاً عند كل جزئيةٍ من أية عملية ليشرحها بإسهاب، ويمتاز بشخصيةٍ مثقفةٍ وعلى اطّلاعٍ واسعٍ بطبيعةٍ مواصفاتٍ العدو وعقليتهِ، رجلٌ يعرفُ عدّوه جيداً إعلامياً وسياسياً وعسكرياً وأمنياً.

الشريطُ المُصّور يُظهر للأجيال الكثيرَ الكثير عن خليل الوزير “أبو جهاد”، خاصة تلك الأجيال التي لم تسمع عنه سوى من السيرةَ المكتوبة ولم تره بأم عينها، ففي الشريطِ المُصوّر أيضاً يوصي الأميرُ المُقاتلين بأم الوصايا في القتالِ ضد العدو، فمثلاً يقول: “إياك أن يشعرَ عدوك بالعزة عليك، أنت الذي يجب أن تكون العزيز عليه، أنت الذي تُشعر عدوك بالعنفوان بالعزّة وبالكرامة”، تكرارهُ لضمير “أنت” خلال هذه العبارة القصيرةِ يوحي كم كان مُهتماً بعقيدة المُقاتلين الفلسطينيين، ويسعى لجعلهم دائماً أعزّة على عدوهم المُحتل.

يتحوّل أبو جهاد من “عسكرةِ الخطاب” إلى “النصح الأبوي” في ذات الواقعة فيقول لمقاتليه “ما في حد فيكم إن شاء الله تغريه فتاة..بدو الواحد يكون قلبه ذهب مش حديد”، وينتقل أبو جهاد من معادِن القلوب إلى أخلاقياتِ المجاهد المسلم والمقاتل الثائر، فيقول “احنا أكدنا على قضية إنه لا نصيب الأطفال بقدر الإمكان”، فيقاطعه أحد المُقاتلين بحرقةٍ قائلاً “أطفالنا في شاتيلا وصبرا أول ناس ماتوا..إحنا من عيلتنا 12 واحد استشهدوا”!، فيجيبه أبو جهاد بكلِ ثقةٍ “معلش إحنا لسنا من هؤلاء، هؤلاء فاشيست..نحن لسنا فاشيست..عمر بن الخطاب كان يوصي لا تقطعوا شجرةً ولا تقتلوا طفلاً”.

 ويقرن أبو جهاد المعلومات المتعلقة بمسار العملية بعبارةٍ لا ينفك يرددها “إن شاء الله..إن شاء الله”، حتى أنه يقول لمقاتليه مُتحمّساً وُمحمّساً “وإن شاء الله ربنا يكون باعت لنا شارون..أكيد شفتو صورته بتعرفوه أشقر وإله كرش..اللي بيعرف يهدّف عليه يهدّف.. قنبلة على رأسه إن شاء الله وربنا يكتبها..فش إشي بعيد يا رجال”، ويُعزّز ذلك بالتذكير بالقائد الاسرائيلي ضابط الاستخبارات المسؤول عن عملية فردان التي اغتال فيها الاحتلال الكَماليْن وأبو يوسف النجار عام 1973، حيث أن قائد فردان “عوزي يثيري” لقي مصرعه بعد استشهاد جميع مُقاتلي عملية فندق “سافوي” الفلسطينيين، وتبقى فقط مقاتلٌ فلسطيني واحد إسمه “محمد جمعة”، خرج من تحت الأنقاض وبدأ يُطلق النار على من يراه من المستوطنين والجيش، بالصدفة كان “عوزي يثيري” قرب المكان، فأطلق “محمد جمعة” صلية من الرصاص عليه فقُتل “عوزي” بعد عامين من قيادته عملية تصفية القادة الفلسطينيين الثلاثة.

هذا هو أبو جهاد الذي رفع منسوب الأمل لدى مُقاتليه، عبر أمنياته بالثأر من سفّاح مجزرة صبرا وشاتيلا، ويواصل أبو جهاد حديثه متوسطاً المُقاتلين الذين سينفذون العملية، ويتابع سرد توجيهاتٍ دقيقةٍ خاصةٍ بالعملية، ويستمر أبو جهاد في إرشاداته ببساطة أسلوبه وبكلماته الإرتجاليةِ وسط ضحكاته وتعليقاتِ المُقاتلين العفوية، لم ينادوه “يا كبير”، ولا “سيدي أبو جهاد”، ولا حتى “قائد”، كانوا ينادونه “أخ أبو جهاد” عندما يُريدون طرح الاستفسارات عليه، هذه الجزئية ليست هامشية أيضاً، فهي تكشف طبيعة العلاقة التي كانت سائدةً بين القائد والمُقاتل في تلك الفترة، من جهةٍ أخرى  فيُمكنك أن تلمس التمرّس العسكري لأبو جهاد عندما يوصي المُقاتلين بمفاهيم الطاعة والانضباط للقادة، أيضاً أبو جهاد لم يكن يُلقّن رؤيته فقط وعلى الآخرين اعتمادها فوراً، بل في كل نقطة كان يستشهد بمثالٍ دامغٍ يُعزّز رؤيته المشروحة للمقاتلين، وهذا يدّل على أمرين: الأول أن أبو جهاد كان معنياً أن يكون الشرح مفهوماً بشكل كاملٍ لكافة المقاتلين على اختلاف مستوياتهم التعليمية وفروقاتهم الأخرى، الثاني يدل على أن أبو جهاد يُراجع العمليات السابقة ويستخلص الدروس والعبر منها.

“الشغف بالبحر” جانبٌ لا يعرفهُ كثيرون من شخصيةِ أبو جهاد القائد، ويتضح هذا الشغف من خلال تخطيطه لعملياتٍ كثيرةٍ عبر البحر منها: “سافوي”، “دلال المغربي”، “وزارة الدفاع”، “ديمونا”، وأبو جهاد اجتاز دورة متخصصة في الضبط البحري برفقة الثائر الأممي تشي جيفارا قبل عام 1964 في كلية تشرشال الجزائرية.

رغم الظروف الصعبة التي كانت تمر بها الثورة الفلسطينية في فترة منتصف الثمانينات، ورغم أن أبو جهاد ربما كان يُدرك أن عملية وزارة الدفاع ضخمةٌ ونوعية، وبالنسبة للاحتلال هي تجاوزٌ لكل الخطوط الحمراء، إلا أن “التحدّي والعزّة” كانت سمة راسخة في شخصيةِ أبو جهاد، فلم يكن يُريد أن ينجو بنفسه أو يفكر في التراجع، فقد قال لمُقاتليه خلال فترة التدريب على عملية وزارة الدفاع: “إذا وقع أي واحد في الأسر منكم، فليقل لرابين بأن أبو جهاد بعثنا وسيبعث غيرنا”!، فقد كان معنياً أيضاً أن يوصل رسالةً مباشرة إلى الإسرائيليين بأن خليل الوزير لا يخاف ولا يحسب حساباً لأحد، وهذه الرسالة ليست من باب الغرور أمام المقاتلين بل من باب تحدّي العدو، فأبو جهاد يتذكر ما حدث مع الفدائي حسين فياض الذي أسره الاحتلال في عملية دلال المغربي وتم عرضه مرتين على قيادة الاحتلال حسب ما إتضح في وقتٍ لاحق.

تعرض أبو جهاد لعدة محاولات اغتيال اسرائيلية باءت بالفشل، أبرزها تفجير عبوة ناسفة خلال مسيرة على طريق عالية-بيروت عام 1982، إضافة لمحاولة اغتيال أخرى له برفقة الشهيد ياسر عرفات أثناء تفقد ميناء طرابلس اللبناني عام 1983 تمهيداً للرحيل نحو تونس، أما المحاولة الأخيرة والتي كشفت عنها أم جهاد الوزير فهي محاولة خطفِ أبو جهاد في الأجواء اليونانية، حيث إقتحمت طائرتان حربيتان الأجواء اليونانية بينما كان أبو جهاد على متن طائرة قادما من الكويت، فتعقبته الطائرتان لكن سلاح الجو اليوناني أجبرها على التراجع، وهذه المحاولة كانت قبل اغتيال أبو جهاد بشهرين فقط.

من أجل كل ذلك، لم ينفّذ عملية اغتيال أبو جهاد عناصر الموساد في تونس بأنفسهم، بل نفذتها وحدة نخبةٍ تتبع مباشرة لهيئة الأركان العامة وتُعرف بإسم “سييرت متكال” بالتعاون مع الموساد، وشاركت في العملية أربع قطع بحرية منها سفينة حراسة “كورفيت” تحمل طائرتي هيلوكبتر لاستعمالهما إذا اقتضت الحاجة للنجدة، كما تحمل إحدى القطع البحرية مستشفى عائماً، وقد رست القطع على مقربة من المياه الإقليمية التونسية تواكبها طائرة قيادة وطائرة أخرى للتجسس والتعقب.

 عند إقتحام الكوماندوز لمنزل أبي جهاد لم تكن طلقةٌ ولا عشرة طلقاتٍ كافية لإنتزاع روح القائد أبو جهاد، فالإحتلال برأيهِ أمام قاماتِ المقاومةِ الشاهقةِ يحتاجُ إلى أكثرِ من تأكيدٍ على رحيلهم الأبدي!، حيث أفرغ أربعة من الكوماندوز مخازن رصاصهم الواحد تلو الآخر في جسد جنرال فلسطين، وتجدر الإشارة إلى أن روايات الاحتلال لا تذكر أن أبو جهاد دافع عن نفسه، لكن رواية زوجته تؤكد أنه إستّل مسدسه الشخصي فور سماعه ضجة في المنزل، ودعاها للإبتعاد عنه، وأطلق عدة طلقات تجاه الكوماندوز، قبل أن يُصيبه الرصاص.

هذا التاريخُ المُشرّف وسلسلة العملياتِ التي أشرف عليها، وتلكَ العقليةٌ الفذّة، وهذه الملامح الشخصية الفريدة، ضمنت لخليل الوزير “أبو جهاد” نحو 70 رصاصةً رصّعت جسده كأوسمةِ شرفٍ، أطلق معظمها قائد نخبةُ “سييرت متكال” عليه داخل مقر إقامته في تونس، فجر يوم 16-4-1988، ودُفن جثمانه الطاهر في مخيم اليرموك.

بقي الإحتلال وإعلامه صامتاً طيلة 25 عاماً بعد إغتيال أبو جهاد حتى عام 2013، حيث أكد الإحتلال الإسرائيلي بشكل غير رسمي مسؤوليته عن إغتياله، عقب السماح بنشر مقابلةٍ مع ضابط وحدة الاستطلاع “ناحوم ليف”، والذي قاد العملية حيث شرح تفاصيلها للمراسل الإسرائيلي “رونين بيرغمان”.

تعليقات القراء