أردن الإخبارية – Jordan News » محليات » كيف جلب الأردن المشاكل الاقتصادية لنفسه؟

كيف جلب الأردن المشاكل الاقتصادية لنفسه؟

أضيف بتاريخ: 9 يونيو 2018 3:23 م

من احتجاجات الدوار الرابع في العاصمة عمان (AFP)*

كتب: بول كوكرين، صحفي اقتصادي بريطاني مستقل يعمل في بيروت

على هامش الاحتجاجات الأخيرة في الأردن، ألقت المملكة الأردنية الهاشمية باللوم على صندوق النقد الدولي الذي جعل من أداء اقتصادها باهتا وفرض عليها بعض الإصلاحات الضريبية وتدابير التقشف، مع انخفاض المعونة الخارجية. ولكن وفقا لبعض المحللين، كانت المملكة تدير الاقتصاد بشكل سيء على مدى عقود، في حين لا تزال مبالغ كبيرة من الإنفاق الحكومي طي الكتمان.

في الواقع، إن الأرقام الرئيسية من شأنها أن تفسر ما ساهم في تأجيج نار الاحتجاجات على خلفية فرض ضريبة دخل جديدة ورفع الأسعار. وقد استمرت هذه الاحتجاجات لأكثر من أسبوع على الرغم من استقالة الحكومة ورئيس الوزراء. ووفقًا لبيانات وزارة الإحصاءات التي صدرت هذا الأسبوع، بلغت البطالة أعلى مستوى لها منذ 25 سنة بنسبة 18.4 بالمائة، بينما ارتفعت نسبة البطالة في صفوف خريجي الجامعات إلى 24.1 بالمائة، علما بأن هذه التقديرات متحفظة.

أقر الملك عبد الله بأن الإصلاحات الضريبية، كانت جزءا من الشروط التي فرضها صندوق النقد الدولي على البلاد وظلت معلقة لسنوات، ناهيك عن أنه تم الترويج لها بشكل سيئ للشعب

منذ سنة 2006، تضاعفت نسبة التضخم ما ساهم في ارتفاع أسعار السلع اليومية. وفي نهاية شهر أيار/ مايو، صنفت وحدة إيكونوميست إنتليجنس عمّان أغلى مدينة في العالم العربي، ناهيك عن أنها تحتل المرتبة 28 ضمن قائمة المدن الأغلى في العالم. كما أفادت النقابات بأن الحد الأدنى للأجور البالغ 220 دينارًا ( أي ما يعادل 310 دولارًا أمريكيًا) لا يسد سوى ثلث نفقات العيش في البلاد.

في مقابلة صحفية أجراها يوم الاثنين الماضي، أوضح الملك عبد الله الثاني أن هناك “فشلا وتراجعا من جانب بعض المسؤولين فيما يتعلق بصنع القرار” وأن “العالم لم يتحمل مسؤولياته بالكامل” من خلال خفض المساعدات على الرغم من أن المملكة تستضيف ما يقارب المليون لاجئ سوري”.

ارتفاع نسب البطالة في الأردن

لقد أقر الملك عبد الله بأن الإصلاحات الضريبية، كانت جزءا من الشروط التي فرضها صندوق النقد الدولي على البلاد وظلت معلقة لسنوات، ناهيك عن أنه تم الترويج لها بشكل سيء للشعب. وعلى مر السنين، كانت دول الخليج من المانحين الرئيسيين للأردن، لكنها قلصت من حجم التمويل الذي تقدمه، خاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

هذه الأرقام تعد من أعلى المعدلات في المنطقة، التي سجلت بعض أقطارها أعلى النفقات العسكرية في العالم!

في المقابل، أوضح الخبراء أن الأسباب والنتائج التي أثرت على الاقتصاد الأردني أكثر تعقيدًا نوعا ما. وحيال هذا الشأن، بين أستاذ مشارك ومدير الدراسات العليا في جامعة كيس ويسترن ريزيرف في الولايات المتحدة، بيت مور، أن “الأردن لم يكن مضطرا لاتخاذ جميع هذه السياسات وعلى الرغم من أنه كان ضحية بلد مجاور صدّر له الكثير من اللاجئين (السوريين)، إلا أنه لا يمكن نفي تراكم عدد من المشاكل قبل وصول اللاجئين بوقت طويل أو حتى قبل تراجع التمويل الخليجي”. وأضاف المصدر ذاته أن “العامل المهم الذي ساهم في تدهور الوضع في الأردن يتمثل في أن النخبة السياسية الأردنية قد أوقعت نفسها بنفسها”.

الخلط بين السبب والنتيجة

وفقا لشركة ستاندارد آند بورز، انخفضت المساعدات المخصصة للأردن وتراجعت المنح الأجنبية، التي كانت تمثل 2.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، بنسبة 15 في المائة سنويا منذ سنة 2017. في الأثناء، اضطرت البلاد إلى التوجه إلى أسواق المال الدولية لسد ديونها، التي كانت تمثل 67.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2010، مسجلة ارتفاعا بلغت نسبته 95.9 في المائة سنة 2017، وذلك حسب تصنيف كابيتال إنتليجنس. وقد تضاعفت نسبة الاقتراض الدولي من ثلاثة في المائة من ديون الحكومة المركزية سنة 2012، إلى 21.9 في المائة سنة 2017.

وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، استأثر الجيش سنة 2017 بنسبة 15.8 بالمائة من الإنفاق الحكومي ناهيك عن 4.8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع العلم أن هذه الأرقام تعد من أعلى المعدلات في المنطقة، التي سجلت بعض أقطارها أعلى النفقات العسكرية في العالم.

في حين أعلنت السلطات الرسمية عن أنها تملك ميزانية قدرها 1.87 مليار دولار، مع حوالي 350 مليون دولار سنويا مقدمة من الولايات المتحدة، لم يتم الكشف عن المبلغ الإجمالي الذي أنفقته القوات المسلحة.

الديون العامة للأردن

في هذا الإطار، أفاد أستاذ تاريخ الشرق الأوسط الأردني في جامعة أوهايو والمحرر المشارك في جاداليا، زياد أبو ريش، بأن الافتقار إلى الشفافية هو الذي جعل الكثير من الأردنيين يجدون صعوبة في تصديق جدوى تدابير التقشف والزيادات الضريبية. وأضاف المصدر ذاته أن “الحجة القائمة على ضرورة خفض الإنفاق بسبب عجز الميزانية تجعل الأمر يبدو أكثر براءة مما هو عليه”.

أوردت شتريت أن “الحكومة الأردنية قادرة على إدارة علاقاتها مع الجهات المانحة، ولكنها تفتقر إلى القدر الكافي من التنسيق. وأكثر ما يثير الشكوك الضبابية التي تكتنف البرامج الجاري تنفيذها، لأنه يمكن مضاعفة الأموال القادمة من المانحين”.

في سياق متصل، أكد زياد أبو ريش: “نحن لا نعرف ما تبدو عليه الميزانية بالفعل لتحديد ما إذا كانت هذه التخفيضات لازمة، ولم نكن نعرف النسبة التي تحظى بها المؤسسات العسكرية من ميزانية الدولة وكيف كان يتم استخدام هذه الأموال. ويجب أن أكون واضحًا: نحن كمواطنين أردنيين نمنع من مناقشة هذه الأمور، وفي بعض الأحيان يُعتبر خوضنا في مثل هذه المسائل جريمة. إن فكرة قطع حسابات الضمان مع زيادة نسب البطالة والفقر، وانخفاض القوة الشرائية، لا معنى له بالنسبة للسكان”.

خليط من الإصلاحات

بينما ظل الإنفاق على القطاع العسكري مرتفعًا، انخفضت المبالغ الموجهة نحو حل القضايا الاجتماعية والاقتصادية. والأمر سيان بالنسبة إلى مصادر التمويل الحكومي بعد أن شرع الأردن في مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية في مطلع الألفية الثانية لتتماشى مع مساعي تعزيز التجارة الحرة والسياسات النيوليبرالية من قبل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ولطالما كانت الرسوم الجمركية واحدة من أكبر مصادر الإيرادات الحكومية، إلا أنه تم تقليصها إلى حد كبير، كما أثرت سياسات الإعفاء الضريبي، التي تم إرسائها بغية جذب الاستثمار الأجنبي، سلباً على ميزانية البلاد.

بائع فواكه وخضروات في عمّان

حيال هذا الشأن، أوضح مور أنه “بينما تشتكي الحكومة الأردنية من خسارة التمويل الخليجي، يمكن رؤية “أبراج بوابة الأردن” (مشروع عقاري راقي) في سماء عمّان، التي أشرفت الإمارات العربية المتحدة على تمويل إنشائها، دون الحاجة إلى دفع أي ضرائب، كما تم بناؤها من قبل عمالة غير أردنية”. كما أشار مور إلى مناطق التجارة الحرة التي أنشئت في مطلع الألفية الثانية التي تخضع إلى قانون الإعفاء الضريبي، بالإضافة إلى المناطق الصناعية المؤهلة التي تنتج ما يعادل 1.3 مليار دولار سنوياً من الثياب الجاهزة، إلا أن أغلبها ملك لشركات من جنوب شرق آسيا. ومن بين 56 ألف شخص يعملون في هذا القطاع، 30 بالمائة فقط منهم من الأردنيين.

تعكس دعوات المتظاهرين إلى تجميد التعديلات الضريبية مدى استيائهم من الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة المالية

وفقاً لأستاذ السياسة الأردني بالجامعة الأمريكية في بيروت، طارق التل، تضم البلاد ما يقارب 800 ألف عامل مهاجر، أي ما يعادل أقل من 10 بالمائة من إجمالي السكان، وهذا من شأنه أن يعود بالفائدة على أرباب العمل والشركات الصغرى نظراً لانخفاض أجور اليد العاملة، إلا أن هذا غير كفيل للحد من البطالة. وأضاف طارق التل أن أغلب القطاع المصرفي في البلاد تمتلكه جهات سعودية، التي تشرف بدورها على الدين العام. وفي الوقت ذاته، تمت خصخصة واحدة من أكبر القطاعات التي تساهم في جلب العملة الأجنبية إلى البلاد، وهو قطاع الفوسفات، مما سلب المملكة مصدر دخل طويل الأمد.

معاقبة الطبقة الوسطى

إن أكثر ما هو واضح في الاحتجاجات الحالية، على خلاف الماضي، هو أنها بقيادة النقابات المهنية وتضم الطبقات المتوسطة. وأشار طارق التل إلى أن “قانون الضرائب الجديد سيضغط على المواطنين، إذ سيتم فرض ما يتراوح بين الألف (ما يعادل 1410 دولار) والألف ونصف دينار (ما يعادل 2100 دولار) شهرياً بموجب القانون الجديد، بينما لا تدفع فئة رجال الأعمال أي ضرائب أساساً. كما توجد العديد من الثغرات التي يمكن ملؤها، ولكن عوضاً عن فعل ذلك تقع معاقبة الطبقة الوسطى، وهذا ما دفعها إلى التحرك”.

تساءل الخوري: “هل سيتم فعلاً حل جميع هذه المشاكل من قبل رئيس الوزراء الجديد؟ طبعاً لا. نظراً لأن الإجراءات التي سيتبعها ستكون مشابه لسابقاتها!

في الحقيقة، تعكس دعوات المتظاهرين إلى تجميد التعديلات الضريبية مدى استيائهم من الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة المالية. وفي هذا الصدد، أشار مور إلى أن “اعتبار المتظاهرين الفساد قضية جوهرية كان في محله، فقد كانت الكثير من الأموال تتدفق إلى داخل وخارج الأردن، سواء رأس المال العراقي أو مساعدات التنمية أو الأموال الأمريكية، ولكن لم يستفد معظم المواطنين الأردنيين من جزء كبير منها”.

احتل الأردن المرتبة 59 من بين 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2017 الذي تشرف عليه منظمة الشفافية الدولية. وأضاف طارق التل أن “المواطنين يؤمنون بمسألة تفشي الفساد على نطاق واسع، وأن بعض أفراد عائلة الملكة رانيا بدورهم مسؤولون عن استفحال هذه الآفة”. وما لم يتم اجتثاث الفساد وإرساء شفافية أكبر على الميزانية، سيظل من الصعب قبول زيادة معدلات الضرائب، بغض النظر عن مدى حاجة الدولة للقيام بذلك.

رجل يبيع قطعا من الورق المقوى للمصلين في الشارع بمدينة عمان خلال صلاة الجمعة

أفادت ليات شتريت، المستشارة الأولى في برنامج النزاهة المالية في المركز العالمي للأمن التعاوني بالعاصمة عمان، أن “هناك شعورا بسوء إدارة الأموال المقدمة إلى البلاد، ومع ذلك تعمد الحكومة إلى فرض الضرائب على أفقر المواطنين؟ هناك حاجة ماسة إلى إرساء المزيد من الشفافية على النظام الضريبي، لأن هذا من شأنه أن يبدد المخاوف المتعلقة بمسألة الفساد، إلى جانب فتح النقاش حول الأموال الواردة”.

كما أوردت شتريت أن “الحكومة الأردنية قادرة على إدارة علاقاتها مع الجهات المانحة، ولكنها تفتقر إلى القدر الكافي من التنسيق. وأكثر ما يثير الشكوك الضبابية التي تكتنف البرامج الجاري تنفيذها، لأنه يمكن مضاعفة الأموال القادمة من المانحين”.

من المسؤول؟

أوضح زياد أبو ريش أنه “على مدار 25 سنة، ادعت الحكومات المتعاقبة أنها ستصلح الوضع الاقتصادي في البلاد. لكن ما دمنا نشهد أعلى نسبة بطالة منذ 25 سنة، فهذا يعني أن هذه الإصلاحات كانت فاشلة تماماً، لكن من هو المسؤول عن ذلك؟”.

تعد الحكومة الجديدة السابعة منذ تولي الملك عبد الله الثاني سدة الحكم سنة 1999، والثانية منذ أن حل الملك البرلمان سنة 2016

تعد الحكومة الجديدة السابعة منذ تولي الملك عبد الله الثاني سدة الحكم سنة 1999، والثانية منذ أن حل الملك البرلمان سنة 2016. وقد كان رئيس الوزراء الجديد، عمر الرزاز، مسؤولا سابق في البنك الدولي وخريج جامعة هارفارد. ومن المتوقع أن يتبع استراتيجية اقتصادية مماثلة للحكومات السابقة.

في شأن ذي صلة، أوضح رياض الخوري، مدير فرع شركة جيو إكينوميكا بالشرق الأوسط في عمان، أن الأردن غارق في الديون بسبب الفساد وغياب عنصر الكفاءة. وتساءل الخوري “هل سيتم فعلاً حل جميع هذه المشاكل من قبل رئيس الوزراء الجديد؟ طبعاً لا. نظراً لأن الإجراءات التي سيتبعها ستكون مشابه لسابقاتها” وأعتقد أنه ستتم المصادقة على قانون ضريبة الدخل، ولكن بدلاً من تقديمه للعامة دفعة واحدة سيقع تجزئته”.

المصدر: ميدل إيست آي

تعليقات القراء