أردن الإخبارية – Jordan News » مقالات مختارة » عن جمال خاشقجي.. سطور شخصية

عن جمال خاشقجي.. سطور شخصية

أضيف بتاريخ: 10 أكتوبر 2018 9:37 ص

 

ليست هذه السطور تحليلاً لجريمة اغتيال -سمّه إخفاء إن شئت- الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي، فالجريمة -رغم غموضها- بالغة الوضوح، لأن التفاصيل ليست ذات قيمة في السياق، سواء أتم كشفها، أم بقيت على غموضها، وليس صحيحاً بالطبع أن كل جريمة يمكن كشفها، لا سيما الجرائم السياسية التي قد تبقى مقيّدة ضد مجهول نظرياً، رغم وضوحها عملياً، ومثال ذلك جرائم النظام السوري وحليفه الإيراني تالياً في لبنان، وقتل المهدي بن بركة، واختفاء موسى الصدر، وسوى ذلك كثير، ومع ذلك نتمنى أن تكون كل التحليلات خاطئة، وأن يظهر جمال حياً يُرزق، وعندها سنعتذر عن الخطأ الذي تورطنا فيه.
ما يعنيني في هذه السطور، هو الحديث عن جمال كصديق أعرفه منذ ثلاثة عقود، وجلست معه خلالها عشرات الساعات، بل ربما أكثر من ذلك، وأكلنا سوياً، وحدث أن شرّفني في بيتي مراراً.
طوال تلك العقود الثلاثة، ورغم التحولات التي مرّ بها خلالها، والتي اختلفنا بشأن بعضها، وبشأن مبرراتها، لم تتغير طبيعة صداقتنا، وهو ما لم يحدث مع سواه ممن غيّروا وبدّلوا في مساراتهم، بخاصة ما يتعلق بقضايا الأمة.
في عالم السياسة والعمل العام، يدخل أحدهم في طور جديد، ثم ما يلبث أن يتمرد على القديم، ويمعن فيه شتماً وهجاء وتسخيفاً، من أجل تبرير مساره الجديد، ومهمة العقل دائماً هي توفير المبررات، بينما يحتكم المرء إلى هواه، وليس في عالم السياسة شيء لا يمكن تبريره، مهما بلغ مستواه من السقوط.
في حالة جمال، لم يحدث شيء من ذلك، فقد ظل على وفائه ودماثة أخلاقه، وعلى أدبه الجمّ، بجانب حرصه على دينه وقيمه، كما لم ينظر إلى مساره الأول كأنه خطيئة يجب التنصل منها، بل كجزء من منظومة تكوينه التي لا يتبرأ منها، بل ولا يندم عليها أيضاً.
لذلك بقيت حبال الود بيننا قائمة، حتى حين سار في الركب الرسمي، بما ينطوي عليه من مسارات قد تنطوي على بعض الإشكالات -من ينخرطون في هذا المسار ليسوا سواء بكل تأكيد- وبقيت على شعوري بأن لهذا الرجل تقييمه الخاص، وللمفارقة كان أحدهم يتندر على هذه العلاقة بيني وبين جمال -رحمه الله- ثم ما لبث أن باع نفسه بالرخيص، وسقط سقوطاً مدوياً في مستنقع تبرير الظلم.
الربيع العربي أحيا في الرجل تلك الروح النقية الطاهرة التي لم تفارقه يوماً، وإن توارت قليلاً خلف استحقاقات المواقع الوظيفية، فهبّ مدافعاً عن حق هذه الأمة في الحرية والتحرر، وحق أبنائها في أن يكونوا سادة في أوطانهم، وناله بسبب ذلك ما ناله، فكان أن اختار المنفى، وليغدو رائعاً وأكثر حرية في الدفاع عن القيم التي لم تغادر ضميره في أي يوم.
ولأنني مقتنع بأنك في رحاب الله الآن يا صديقي، رغم غياب الدليل الحسّي إلى الآن، أقول: إنها والله لخاتمة طيبة، رغم الحزن والألم، فهي ما ستمنح كلماتك والقيم التي آمنت بها ودافعت عنها، مزيداً من التوهج في وعي جماهير الأمة وضمير كل الأحرار، فسلام عليك يوم وُلدت، وحين دافعت عن الحق، ويوم لقيت ربك شهيداً.;

العرب القطرية

بقلم :

تعليقات القراء