أردن الإخبارية – Jordan News » مقالات مختارة » تنظيم “الدولة اليهودية” في فلسطين

تنظيم “الدولة اليهودية” في فلسطين

أضيف بتاريخ: 22 مايو 2018 11:51 ص

قامت المستعمرة الاستيطانية اليهودية في فلسطين على أسس إرهابوية عنيفة، حيث انخرط اليهود بتشكيل عصابات منظمة، مارست كافة أشكال الإرهاب وأصناف القتل والجرائم والتطهير بحق الشعب الفلسطيني. وقد وُصم الصهاينة بـ”الإرهابيين” من طرف الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية آنذاك، لكن تلك الصورة لن تصمد طويلا، حيث سيتحول وصم “الإرهاب” إلى الفلسطينيين من طرف الإمبراطورية البريطانية ثم الأمريكية، فضلا عن المستعمرة الاستيطانية، إسرائيل، والتي أصبحت توصف أمريكيا وأوروبيا بـ”الديمقراطية” الوحيدة في المنطقة، رغم تأكيداتها على هويتها العنصرية والعرقية دون مواربة، تحت مبدأ “يهودية الدولة”.

تصور الصحافة الدولية والخطاب الرسمي الإسرائيلي رفض إسرائيل المتواصل لتبديل طبيعتها اليهودية العرقية التفوقية، أو لتبديل سياساتها العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني؛ على أنه دفاع عن مبادئ إسرائيل “الديمقراطية”، وعن شعب يهودي توقف اضطهاده التاريخي لمجرد دخول الصهيونية على الخط، حسب جوزيف مسعد. ولكن السبيل الوحيد لكي تكتسب هذه الأقوال أي قوة إنما هو في سياق الالتزام الدولي (الغربي) بالتفوقية اليهودية، حيث يعتبر اليهود كأوروبيين بيض يدافعون عن القيم والحضارة الأوروبية البيضاء ضد “قطعان العرب البدائيين”. فالحجر الأساس في الفكر التفوقي العرقي اليهودي، هو الالتزام بإنشاء دولة يهودية يكون لليهود فيها (سواء كانوا “شعبا مختارا” أم أوروبيين يحملون رسالة تمدينية، أم مجموعة مضطهدة تاريخيا ينبغي تحريرها أيا يكن الثمن) حقوق تفوق حقوق الأغيار، وكل ما يستتبع مثل هذا النظام التفوقي العرقي من عدة وعتاد.

إن التفوقية اليهودية هي ما يجعل قضية إسرائيل (بوصف هذه الدولة يهودية بدلا من أن تكون إسرائيلية) أمرا بالغ التقديس، لا يمكن تبديله؛ لأن ذلك سيكون شأنا غير عملي. وإن التزام هذه النزعة هو ما يجعل من عودة اللاجئين الفلسطينين “خطرا ديموغرافيا يهدد الغالبية اليهودية في إسرائيل، وهي غالبية باتت كذلك تحديدا؛ لأن الفلسطينيين الذين يسعون اليوم إلى العودة إلى أراضيهم وبيوتهم قد سبق أن طردوا منها أصلا، وأن ذلك الالتزام هو الذي يواصل شرعنة معاملة الفلسطينيين داخل حدود 1948 كمواطنين من الدرجة الثالثة، وهو الذي يشرع استمرار الاحتلال صمام أمان أمام التهديدات الموجهة إلى إسرائيل كدولة عرقية تمييزية يهودية.

في حقيقية الأمر، فإن المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية لا تعدو عن كونها كيانا إرهابيا، ويمكن تسميتها تنظيم “الدولة اليهودية” في فلسطين، فهذا الكيان لا يكف عن ممارسة الإرهاب والقتل ضد الفلسطينين بكافة الطرق والوسائل، وبذرائع شتى في مقدمتها “حق الدفاع”، وبدون ذرائع قد تصل إلى محض التسلية الاستمتاع، كما حدث الاثنين الماضي بارتكاب مجزرة “العودة الكبرى”؛ التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث ارتفع عدد الشهداء إلى 64 شهيدا، وإصابة أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني برصاص الاحتلال.

إذا كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد وصف “إسرائيل” عقب مجزرة العودة بأنها “دولة إرهابية تقتل الأطفال”، إلا أن ذلك رغم أهميته الرمزية، لا يعدو عن كونه وصفا بلاغيا لا آثار عملية له، كما أن دول مجلس التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية لا تتفق مع وصف أردوغان، ربما تكون بوليفيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي صنفت الكيان الصهيوني تنظيما إرهابيا، حيث أدرجت بوليفيا الكيان الإسرائيلي على قائمتها للدول الإرهابية في تموز/ يوليو 2014، احتجاجاً على العدوان الذي شنه جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة آنذاك.

استند خلق دولة إسرائيل من قبل اليهود الأوروبيين، حسب جوزيف مسعد، إلى إعادة تشكيل الهويات اليهودية، فقد أكد زعماء الصهاينة الأوروبيون بأن خلق دولة لليهود الأوروبيين سوف يُطَبِّع الوضع الشاذ ليهود أوروبا. إذ سيكون لهم، كالمسيحيين الأوروبيين، دولة يدعونها دولتهم، ليتحولوا بذلك إلى أمة، لا سيما وأن الصهيونية سوف توفر لليهود مجالا واسعا من الأنشطة الاقتصادية التي حرموا منها في أوروبا، كالمجالات الزراعية والعسكرية على وجه الخصوص، علاوة على الدفاع عنهم في وجه الهجمات اللاسامية. وهكذا، لم يكن هدف الحركة الصهيونية مجرد استنبات اليهود الأوروبيين في منطقة جغرافية جديدة، وإنما كذلك تحويل هوية وطبيعة المجتمع اليهودي الجوهرية، كما تواجدت في الشتات حتى ذلك الوقت، وهو تحول سيتجاوز فكرة “عام يسرائيل” ليصبح “مدينات يسرائيل”.

عقب إعلان تأسيس دولة إسرائيل من جانب واحد في 14 أيار/ مايو 1948، قامت أربع دول عربية بالدخول إلى فلسطين للحيلولة دون استمرار المستعمرة الاستيطانيّة اليهودية وإبطالها، أو بهدف حماية الجزء المخصَّص للدَّولة العربيّة. فقد مكَّن الانتصار الاسرائيليّ في الحرب على العرب؛ الإسرائيليين من السَّيطرة على 77 في المئة من أرض فلسطين، وطرد حوالي مليون فلسطيني، كما طال الدمار حوالي 418 قرية فلسطينية، وباتت هذه الحرب تُعرف في البيانات الأيديولوجيّة الإسرائيلية باعتبارها “حرب الاستقلال”، وتحولت بعد ذلك إلى التسمية الرسمية وهي: “إعلان تأسيس دولة إسرائيل” في الخطاب الشعبي (بالرغم من أنَّ التّسمية لم تصبح رسميّة إطلاقا) حتى “إعلان الاستقلال”.

ومن الجدير بالذكر أن الإعلان لم يبشر بإسرائيل دولة مستقلة ذات سيادة، وإنما أعلنها “دولةً يهودية”، ولم يكن هذا الأمر ذهولاً أو سهوا، وإنما كان رفضا صريحا لإضافة كلمات مثل “مستقلة، ذات سيادة”، وذلك في سياق اقتراح للتعديل بهذا الخصوص. وهكذا أُعلنت إسرائيل دولة لليهود أينما كانوا، وفي كافة أنحاء العالم، وليس لمواطنيها، وبقي 165 ألف فلسطيني داخل أراضي “دولة إسرائيل”.

إنَّ الوضع الخطابي لليهود الأوروبيين هو الذي يَحكُم كيفية رؤيتهم في الغرب بالعلاقة مع فلسطين، وكيفية رؤيتهم للعالم العربي، من قبل الفلسطينيين على وجه الخصوص، حسب ادوارد سعيد. فبينما يُعتبَرُ اليهود الأوروبيون في الغرب لاجئين فارين من النازية، ومن الترويع اللاحق في أوروبا ما بعد المحرقة، وناجين من حرب إبادة، وضحايا للالتزامات البريطانية نحو العرب، يَنظُر الفلسطينيون إلى اليهود الأوروبيين من خلال تجربتهم الخاصة والمباشرة. فبالنسبة للفلسطينيين، لم يَصِل اليهود الأوروبيون كلاجئين وإنما كغزاة، هدفهم الوحيد الاستيلاء على فلسطين بكل الوسائل المتاحة من أجل تحقيق المطامح الصهيونية، والتي تجلت قبل صعود هتلر إلى السلطة. تبعا لذلك لا يَنظُر الفلسطينيون إلى اليهود الأوروبيين كلاجئين لا حول لهم ولا قوة، بل كمستعمِرين مسلحين يقترفون المذابح.

وليست مصادفة على الإطلاق في هذا الصدد أن تكون الأصولية المسيحية المعادية للسامية هي أشد مناصري إسرائيل في الولايات المتحدة، ذلك أن الصهيونية قد وعت ذلك تماما، كونها قد بنت مشروعها بالكامل على هذا التوقع والافتراض الصائب، كما بيّن مسعد في كتابه “ديمومة المسألة الفلسطينية. فلا جدال اليوم، حتى في أوساط كثير من الإسرائيليين، بأن وقع الصهيونية على الشعب الفلسطيني خلال الأعوام المئة الأخيرة يشمل: طرد غالبية الفلسطينيين من أراضيهم وبيوتهم، ومن ثم مصادرة ممتلكاتهم لصالح اليهود حصرا، ومنع اللاجئين من العودة، كما يشمل فرض نظام أبارتايد عسكري على الفلسطينيين الباقين داخل حدود 1948 حتى عام 1966، حين تحول بعد هذا التاريخ إلى نظام تمييز مدني يتسم بنزعة التفوق العرقي اليهودي، وهو يشمل أيضا إخضاع الضفة الغربية وقطاع غزة وساكنيهما لاحتلال عسكري، ولنظام أبارتايد طوال الأعوام الخمسة والثلاثين الأخيرة، ولاستعمار متواصل لهذه الأراضي المحتلة.

 

إنَّ السمة التشاركية لهذا المكان والزمان في تسميته المجردة، حسب مسعد، (فلسطين أو إسرائيل)، تجعل لهذه التسمية وضعية مركبة، إذ إن تسمية هذا المكان بحدِّ ذاتها هي في الواقع عمليّة أرخنة له. فأن نسميه فلسطين، يعني الإشارة له كفضاءٍ مستعمَر في كل من الفترتين ما قبل 1948 وما بعد 1948، وكذلك إشارة إلى استمرارية التسمية تلك لفترة ما بعد كولونيالية آتية، أما تسميته بإسرائيل فيشير إلى فترة ما بعد 1948، عقب إنجاز المشروع الصهيوني المرتكز على إحباط أي فكرة لفلسطين ما بعد قيام إسرائيل. تعمل التسمية إذن كتعيين في التاريخ وتزمين، وكتأكيد للسلطة على أنها هيمنة كولونيالية أو مقاومة معادية للاستعمار. فقد كانت الصهيونية بنسختيها اليهودية وغير اليهودية محتواة منذ فجر تاريخها داخل الفكر الكولونيالي.

إحدى غرائب خطاب وممارسة العالم العربي والإسلامي الخاصة بموضوعة الإرهاب؛ المسارعة في تتبع التصنيفات الأمريكية والأوروبية دون مساءلة، وعدم وصم المستعمرة الاستطيانية الإسرائيلية بالإرهاب، رغم انطواء الكيان الصهيوني تحت مسمى الإرهاب بأي تسمية وتصنيف تشاء. فقد شرع الصهاينة باستخدام كافة الطرق والأساليب والوسائل لقمع الثورة الفلسطينية، حيث تضمنت تلك الطرائق الإرهابية تفجير المقاهي بالقنابل، كما حدث في القدس بتاريخ 17 آذار/ مارس1937، وزرع ألغام موقوتة كهربائياً في الأسواق المكتظة بالفلسطينيين، واستخدمت لأول مرة ضد فلسطينيي حيفا بتاريخ 6 تموز/ يوليو 1938. وعندما اضطر البريطانيون إلى التقليل من دعمهم للمشروع الصهيوني، عقب الانتهاء من قمع الثورة الفلسطينية عام 1939، أصبح البريطانيون أنفسهم هدفاً للهجمات الصهيونية، وشكلت هذه الأحداث لحظة حاسمة في تاريخ العلاقة البريطانية – الصهيونية. فقد تضمن الرد الصهيوني تفجير باخرة بركابها من المدنيين اليهود في حيفا بتاريخ تشرين الثاني/ نوفمبر 1940، الأمر الذي أدى إلى مقتل 242 مدنيا يهوديا، وبعض الجنود البريطانيين، كما تضمن الرد الصهيوني اغتيال مسؤولين في الحكومة البريطانية، وخطف مواطنين بريطانيين كرهائن، وتفجير مكاتب تابعة للحكومة البريطانية، وقتل موظفين ومدنيين، وتفجير السفارة البريطانية في روما عام 1946، وتفجير سيارات تقف بالقرب من مبان حكومية، وقتل رهائن كرد على الممارسات الحكومية، والبعث برسائل وطرود متفجرة إلى ساسة بريطانيين في لندن، وغيرها من الأعمال. وقد نتج عن هذه الهجمات نعتُ جماعات صهيونية كالإرغون وشترن بجماعات “إرهابية” من قبل البريطانيين.

عبر تنظيم “الدولة اليهودية” في فلسطين شنَّت، الحركة الصهيونيّة هجمات إرهابية، وارتكبت مذابح شنيعة ضدّ الفلسطينيّين في منتصف وأواخر الأربعينيّات من القرن العشرين، وذلك مع اقتراب موعد الانسحاب البريطاني من البلاد، وتمّت عمليّة تفجير فندق الملك داود عام 1946 على يد منظمة مناحيم بيغن (الإرغون تسفاي لئومي)، حيث قتل 100 شخص من الفلسطينيين واليهود والبريطانيين، وتمّ اغتيال مبعوث الأمم المتحدة الكونت برنادوت، من قبل منظمة إسحاق شامير (ليهي)، ونفّذت المذبحة الهمجية في قرية الدوايمة، والتي ذهب ضحيتها مئات المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والنّساء والشيوخ، على يد الجيش الصّهيوني الرئيس (الهاغاناه)، ونفذت كذلك مذبحة دير ياسين على يد منظمة بيغن (الأرغون)، وبات يطلق على هذا الأسلوب: “المقاومة الصهيونيّة المعادية للكولونيالية”، أو “نضال من أجل الاستقلال” الصّهيوني، وذلك بحسب التّفضيل الأيديولوجي للتَّسميات

خلاصة القول أن المستعمرة الاستيطانية الإسرئيلية لا تعدو عن كونها تنظيم “الدولة اليهودية” في فلسطين، وهي دولة إرهابية بكافة التعريفات والتصنيفات الممكنة. وإذا كانت أمريكا وأوروبا تتماهى مع ذاتها بخلق كيان إرهابي في فلسطين يقوم مقامها، وتفرض تسمياتها بوصف المستعمرة بالديمقراطية، وتنعت مناهضيها من الفلسطينيين بالإرهابيين، فإن الأكثر غرابة هو أن تحجم الدول العربية والإسلامية عن وصم تنظيم “الدولة اليهودية” بالإرهاب، وتصنيف كيانها بالمنظمة الإرهابية أسوة ببوليفيا، لكن الأدهى أن بعض الأنظمة العربية والإسلامية تتماهى مع التصنيفات الأمريكية والأروبية الإسرائيلية، ولا تتردد في وصف حركات المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، ولا في وصم من يساعد الفلسطينيين بالإرهابي. وبهذا، فإن الدكتاتوريات المحلية تدافع عن ذاتها التي تشكلت بفعل كولينيالي إمبريالي عالمي، والذي أسس تنظيم “الدولة اليهودية” الإقليمي في فلسطين. فالإرهابيون الحقيقيون متضامنون، ولا يمكن تحربر فلسطين دون التحرر من مفهوم “الإرهاب” المفروض.

بقلم :

تعليقات القراء