أردن الإخبارية – Jordan News » محليات » ترجمات: النهر الميت.. كيف تلوثت مياه نهر الأردن؟

ترجمات: النهر الميت.. كيف تلوثت مياه نهر الأردن؟

أضيف بتاريخ: 17 أكتوبر 2017 11:21 م

قس مسيحي يعمّد طفلاً في نهر الأردن (ميدل إيست آي)

ترجمة وتحرير: أردن الإخبارية

كتب: كيران كوك (مراسل أجنبي سابق لكل من بي بي سي والفاينانشال تايمز)

دعونا نحلم قليلا ونتخيل أن التفجيرات في سوريا توقفت واقترب الصراع من نهايته، ولأن المزارعون في سوريا سيبدأون في ري الأرض مرة أخرى؛ فسوف تعود الصنابير لري المحاصيل مرة أخرى، لكن الجميع لن يكونوا سعداء.

بالنسبة للأردن –والتي تحدها سوريا من الجنوب- فإن أزمة نقص المياه الشديدة سوف تتفاقم وتصبح أسوأ مع نهاية الحرب، يأتي نهر الأردن من منحدرات جبل الشيخ على الحدود السورية اللبنانية ويتدفق بطول 250 كليومتر لينهي رحلته في البحر الميت، ويعتبر النهر مصدرا حيويا للمياه في الأردن.

خريطة نهر الأردن (ميدل إيست آي)

المشكلة أن سوريا –مقارنة بالأردن والاحتلال الإسرائيلي مجتمعين- تستهلك كمية كبيرة للغاية من المياه على مر السنين.

تقول فرانشيسكا دو شاتيل والتي قامت بعمل مكثف في مجال شبكات المياه في الشرق الأوسط؛ أن النهر الذي كان سابقا يمتليء بالمنحدرات والشلالات قد تم تطويره على نطاق واسع مع بناء السدود وقنوات التحويل ومشاريع الري واسعة النطاق على النهر ومنابعه وروافده، ونتيجة لذلك؛ تناقص تدفق النهر لعُشر قيمته الأصلية كما تدهورت نوعية المياه بشكل حاد، أضف إلى ذلك مياه الصرف وتدفق المياه المالحة وجريان مياه الزراعة التي تلوث ما تبقى من المياه.

الأرض الموعودة ملوثة

تأتي أفواج السياح لرؤية نهر الأرض أحد اشهر أنهار العالم وأكثرها قداسة، حيث يُقال أن “بني إسرائيل” عبروا هذا النهر ليصلوا إلى الأرض الموعودة، ويُقال أيضا أنه النهر الذي عُمد فيه المسيح، لكن لم يبق من قدسية النهر إلا القليل الآن، ففي هذه الأيام؛ يجب على الاشخاص الذين يرغبون في اتباع خطوات المسيح والانغماس في مياه النهر أن يذهبوا إلى أماكن مصممة خصيصا للتعميد حيث تكون غير ملوثة نسبيا.

قامت “إسرائيل” بافتتاح سد ضخم لتحويل المياه من بحيرة طبريا لري محاصيل في الأراضي المجاورة، مما أضعف النهر وقضى على قوته

في الوقت نفسه تم التخلي عن مخططات الطاقة الكهرومائية والتي بُنيت على طول نهر الأردن، يقول أحد نشطاء البيئة في المنطقة: “في إحدى الأوقات كان نهر الأرض قادرا على تحريك التوربينات لإنتاج الكهرباء، مأساة اليوم هو أن النهر لا يمكنه تحريك عجلة فأر”.

خلال الستين عاما الماضية قامت سوريا ببناء أكثر من 40 سد على طول النهر وروافده، بالرغم من أن اتفاقية مشاركة المياه بين دمشق وعمّان لم تُنفذ بعد، وفي بداية الستينيات من القرن الماضي؛ قامت “إسرائيل” بافتتاح سد ضخم لتحويل المياه من بحيرة طبريا لري محاصيل في الأراضي المجاورة، مما أضعف النهر وقضى على قوته.

قس مسيحي أرثوذوكسي ومجموعة من الحجاج في نهر الأردن عند قصر اليهود بالقرب من أريحا حيث يُعتقد أن المسيح تعمد هنا (أف ب)

وفي ذات الوقت قامت الأردن ببناء قنوات واسعة لاستخدام المياه من نهر اليرموك أحد روافد نهر الأردن الرئيسية، بالنسبة للأردن خصيصا فتحويل مياه النهر الرئيسي للبلاد يعتبر كارثة، وقد وصفت الأمم المتحدة الأردن بأنها واحدة من أكثر البلدان شحيحة المياه على وجه الأرض.

تدفق وتراجع

تحكي لنا الإحصائيات قصة مرعبة، فوفقا لتحليل أجراه مؤخرا أكاديميين بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا وبالتعاون مع خبراء المياه في الأردن، تناقص نصيب الفرد في المياه من 3600 متر مكعب سنويا عام 1946 إلى 135 متر مكعب فقط في تلك الأيام، هذا الرقم يعتبر أقل بكثير من مستوى “الندرة المطلقة”.

أما مصادر المياه الجوفية فقد استغلتها الأردن بشكل مزمن لأن طبقات المياه الجوفية غير قادرة على تجديد مواردها، وتساهم عوامل أخرى كذلك في مشكلة ندرة المياه في الأردن، اضطرت الأردن والمنطقة المحيطة بها إلى تحمل فترات جفاف طويلة والتي ازدادت شدتها في الفترة ما بين 2008 وحتى 2014.

“تشير التوقعات إلى ارتفاع درجة حرارة الأردن لأكثر من 4 درجات سليزية بنهاية القرن الحالي، بينما يتناقص هطول الأمطار بمعدل 30%”

تضاعف عدد سكان الأردن خلال الربع الأخير من القرن الماضي نتيجة زيادة معدلات المواليد ثم تدفق عدد كبير من اللاجئين نتيجة القتال؛ أولا في العراق وبعدها سوريا، ووفقا لآخر تعداد رسمي للسكان في جميع أنحاء البلاد فهناك ما يقرب من 9.4 مليون نسمة في البلاد الآن بعد أن كانوا 2.2 مليون عام 1990، تصنف الحكومة ما يقرب من 3 ملايين من السكان بأنه غير أردنيين، ويتضمن هؤلاء سوريين ومصريين وعراقيين وفلسطينيين.

من الواضح أن هذا النمو السكاني الذي حدث في فترة قصيرة نسبيا قد وضع الكثير من الضغوط على المياه وغيرها من الموارد، في كل يوم تقوم مئات الناقلات بتوصيل المياه إلى مخيم اللاجئين السوريين في الزعتري، ويعد هذا المخيم من أكبر المخيمات في البلاد حيث يُقدر عدد سكانه بحوالي 100 ألف نسمة.

لاجئون سوريون يجمعون المياه في مخيم الزعتري بمدينة المفرق الأردنية (أف ب)

تقول دراسة ستانفورد: “تواجه الأردن أزمة عميقة متعددة الجوانب في المياه العذبة، وقد تفاقمت نتيجة انخفاض هطول الأمطار على المدى الطويل، وتراجع مستويات المياه الجوفية بالإضافة إلى النزاعات الإقليمية والهجرة”.

ويضيف التحليل أنه من المحتمل حدوث مزيد من الانخفاض في تدفق مياه النهر بسبب تزايد حدة التغيرات المناخية في المنطقة، حيث تشير التوقعات إلى ارتفاع درجة حرارة الأردن لأكثر من 4 درجات سليزية بنهاية القرن الحالي، بينما يتناقص هطول الأمطار بمعدل 30%.

مشاريع تنموية

ومع ذلك هناك بعض الإشارات المتفائلة وسط هذه الكآبة، فقد تم إحراز تقدم كبير من قبل الأردن ودولة الاحتلال الإسرائيلي بشكل رئيسي في بناء محظات معالجة مياة الصرف على طول النهر، وهناك خطط أيضا لمعالجة مياة الصرف في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، كما قامت منظمة أصدقاء الأرض غير الحكومية في الشرق الأوسط بالتعاون مع هيئات دولية أخرى لجمع التمويل من أجل مشروعات تنظيف فروع النهر، ومع ذلك أدت نزاعات السياسة المحلية أدت إلى تأجيل المشروع وتعطيله.

تقوم “إسرائيل” بإطلاق المزيد من المياه من بحيرة طبريا إلى نهر الأردن مما أدى إلى تحسن التدفقات في بعض المناطق، أما الخطة الأكثر طموحا –والمثيرة للجدل- من أجل تحسين وصول المياه إلى المنطقة هي ما يُسمى بـ”مشروع البحرين”، أي الأحمر- والبحر الميت.

“تناقصت مياه البحر الميت إلى الثلث خلال الـ20 عاما الأخيرة أي حوالي متر مكعب كل عام”

هذا المشروع الذي تبلغ قيمته 1.1 مليار دولار؛ دعا إليه أول مرة المهندسون الاستعماريون في منتصف القرن الـ19، ويتضمن بناء محطة لتحلية المياة وللطاقة الكهرومائية بالقرب من ميناء العقبة على البحر الأحمر ناحية الأردن ثم ضخ الأملاح –الناتج الثانوي لعملية التحلية- في البحر الميت من خلال خط أنابيب يبلغ طوله 180 كيلومتر.

في سلسلة معقدة من المقايضات حول المياه، من المفترض أن تُباع المياه العذبة الناتجة عن محطة التحلية إلى وادي عربة جنوب “إسرائيل”، بينما تشتري الأردن المياه من بحيرة طبريا، وتشتري السلطة الفلسطينية المياه من محطة تحلية إسرائيلية.

هدف المشروع -كما يخطط له- ليس فقط توفير المزيد من المياه العذبة للمنطقة، لكنه يهدف أيضا إلى زيادة مستويات المياه في البحر الميت –أكثر بقعة منخفضة على سطح الأرض-، يعتبر البحر الميت منتجعا كبيرا للسياح حيث يزوره آلاف السياح كل عام للانغماس في مياهه المالحة والغنية بالمعادن، تناقصت مياه البحر الميت إلى الثلث خلال الـ20 عاما الأخيرة أي حوالي متر مكعب كل عام.

الشواطىء الجافة للبحر الميت جنوب عمّان

يقول العلماء أن تناقص المياه ليس سببه فقط نقص كمية المياه القادمة من نهر الأردن إلى البحر الأحمر، لكنه أيضا بسبب زيادة معدل التبخير الذي تسببه ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة، تم منع إقامة الفنادق على ضفاف البحر كما انهارت البنايات هناك بسبب فتحات المجاري في المناطق القريبة.

“تشكك الجماعات البيئية في هذا المشروع وتتسائل عن جدواه، وتقول بأن خلط المياه المختلفة للبحرين قد يهدد النظام الإيكولوجي ويعرضه للخطر”

في عام 2015 وقعت الأردن و”إسرائيل” اتفاقية للمضي في المشروع والذي يدعمه البنك الدولي، ويقول داعمو المشروع أن هناك 400 مليون دولار لتمويل المرحلة الأولية، وتم إدراج 5 اتحادات –معظمهم من الشرق الأقصى- في قائمة المرشحين المشاركين في المشروع، من المفترض أن يبدأ العمل العام القادم على أن تنتهي المرحلة الأولى عام 2020، ويقول مسؤول أردني في وزارة المياه إن “الأدرن ملتزمة للغاية بمشروع البحر الاحمر- البحر الميت، ونحن نعتقد أن المشروع استراتيجي هامة للغاية بالنسبة لنا”.

إحياء النهر

مع ذلك؛ رغم الحماس الذي تظهره عمّان وتل أبيب، فالمشروع يواجه عقبات عديدة، فأي اتفاقية عابرة للحدود في الشرق الأوسط تصبح محفوفة بالمشاكل خاصة في الوقت التي يتوقف فيه أي محاولة للاتجاه نحو تسوية إقليمية، كما أن السلطة الفلسطينية التي تركت المفاوضات بشكل كبير تشعر بالقلق من المشاركة في هذا الوقت الذي تسوده التوترات والشكوك المتبادلة.

تشكك الجماعات البيئية في هذا المشروع وتتسائل عن جدواه، وتقول بأن خلط المياه المختلفة للبحرين قد يهدد النظام الإيكولوجي ويعرضه للخطر، كما أن إلقاء المياه المالحة –الناتجة عن عملية التحلية- في البحر الميت قد يحول مياهه الزرقاء إلى اللون الأبيض الحليبي مما يؤثر على صناعة السياحة.

يقول خبراء البيئة أن الطريقة الوحيدة لضمان إمدادات مياه كافية والحفاظ على ما تبقى من مياه البحر الميت هو التوقف عن تحويل المياه من نهر الأردن، هذا يعني مياه أقل للزراعة وكذلك الأمر بالنسبة للتكتلات التعدينية الأردنية والإسرائيلية والتي يتم فيها تحويل المياه إلى جنوب الأردن حيث أحواض التبخير من أجل صنع مواد كيميائية قيمة كالبوتاس والبروم.

الكشافة الفلسطينيون يسيرون نحو نهر الأردن كجزء من احتفالات عيد الغطاس الأرثوذكسي

إقناع كل هذه المجموعات مختلفة المصالح –والدول المنقسمة على الصراع والسياسة- لاتخاذ خطوة بشأن نهر الأردن يتطلب جهدا هائلا، بالرغم من كل هذه المشاكل ترى خبيرة المياه دي شاتيل بعض الأسباب التي تدعو للتفاؤل، فالمجموعات البيئية وغيرهم يعملون بجد رغم الصعاب لإحياء الأجزاء السفلية من النهر.

وتقول دي شاتيل: “بينما لن يعود نهر الأردن أبدا إلى سابق عهده، إلا أنه من الممكن أن يصبح نهرا حيا مرة أخرى، ويحمل المياه المقدسة التي لا تعود قدسيتها للسياق الديني فقط، بل لأن هذا النهر هو مفتاح الحياة وسبل المعيشة في تلك المنطقة القاحلة”.

المصدر: ميدل إيست آي

تعليقات القراء