أردن الإخبارية – Jordan News » محليات » تصوير الجرائم وهوس الانتشار.. جريمة أكبر وأعظم!

تصوير الجرائم وهوس الانتشار.. جريمة أكبر وأعظم!

أضيف بتاريخ: 22 ديسمبر 2016 12:54 ص

أردن الإخبارية – رائد رمان

 

مما لا شك فيه، أن نشر فيديوهات وصور ضحايا الحروب والجرائم والموتى، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى مائدة الرأي العام وأمام المشاهدين على اختلاف أعمارهم تؤذي أهل الضحايا، فضلاً على أنها تشكل جريمة أخلاقية وتخالف قيم الدين.

فقد بات تصوير الحوادث والأحداث العامة أمرًا اعتياديًا بين الناس دون اعتبار للجانب الإنساني والخصوصية، لأن مثل هذا السلوك ينتهك حريات وخصوصية ومشاعر الآخرين في ظروف صعبة، إذ أصبحت المسألة تسلية بامتياز لدى البعض، بهدف الحصول على أكبر قدر من المتابعين للتربع على ساحة مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى قدر ما هو الحدث أو المشهد مؤلم، على قدر ما تكون المشاهدات أو الـ”views” أعلى، وبالتالي “إعجابات” أكثر وانتشار أوسع.

يرى البعض، أن هذه الصور والفيديوهات تحظى بشعبيّة كبيرة لدى رواد مواقع التواصل الإجتماعي، وتشكّل في بعض الأحيان الرأي العام الضاغط الذي يدفع بالسلطات المعنيّة إلى الإسراع لحلّ تلك القضايا ومعاقبة المجرمين والمخالفين الذي يظهرون في تلك التسجيلات.

في خضم ذلك كله، لم يتوقف الجدل حول مدى أخلاقية ومهنية نشر صور جرائم القتل وضحايا أعمال العنف، وتزايد ذلك الجدل في الفترة الأخيرة مع ارتفاع وتيرة أعمال العنف بمختلف أسبابها ودوافعها.

جريمة تصوير “الجريمة”

من ناحيتها، دخلت دائرة الإفتاء على الخط، حين أفتى مفتي المملكة الدكتور عبدالكريم الخصاونة في مداخلة هاتفية عبر الإذاعة الرسمية بأن “نشر صور الضحايا بسبب الحروب والجرائم والموتى بشكل عام عبر وسائل التواصل الاجتماعي حرام شرعًا”.

نشر صور الضحايا ليس بجديد، لكن ما أثار الموضوع مؤخرا بشكل حاد، هو ما أقدم عليه مجهول من التقاط صورة للأم التي قام ابنها بفصل رأسها عن جسدها في منطقة طبربور مطلع تشرين الثاني الماضي، حيث قام ذلك المواطن المجهول بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي ليتم تداولها على نطاق واسع، دون وضع أي معايير إنسانية أو أخلاقية لذلك الحادث.

في السلوك الأمني حول الموضوع، أوضح مصدر أمني أنه “بمجرد وصول التبليغ عن وقوع جريمة أو حادث، تنطلق الفرق الخاصة إلى المكان وتعمل على تطويق المكان وتمنع أي مواطن من الاقتراب من الضحايا أو تصويرهم، وذلك حرصًا على حُرمتهم”.

وقال المصدر الأمني لـ”أردن الإخبارية” إن “رجال الأمن حريصون على عدم انتهاك حرمة الضحايا وخصوصياتهم، لذلك يشددون على عدم اقتراب الفضوليين الذين يحملون الهواتف الذكية من أجل التصوير ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي”.

ولفت المصدر إلى أنه “في الغالب لا يفكر ناشرو الصور بالبعد الأخلاقي والأدبي والعادات والتقاليد والقيم، التي لا بد من مراعاتها واحترامها، وخاصة حين يتعلق الأمر بجريمة قتل ضحيتها امرأة على سبيل المثال، كجريمة طبربور الأخيرة”.

 

هوس الانتشار وتحطيم القيم

وحتى مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك و تويتر، لديهما قواعد لنشر صور العنف، فهما يمنعان نشر مثل تلك الصور ويسمح للمستخدمين بالإبلاغ عن الصور المخالفة، إلا أن أغلب نشطاء هذه الموقعين وروادها لا يمتثلون لهذه القواعد.

في هذا الإطار، قال أشرف خليفة إن “الهوس بالانتشار على مواقع التواصل يدفع إلى بث ما يسبب الأذى النفسي والمعنوي للآخرين، بهدف المباهاة بالأرقام التي تحصدها الصور”.

وأضاف خليفة الناشط على مواقع التواصل الاجتماعي إن “جمع عدد كبير من اللايكات والتعليقات وحصد التعاطف بالإكراه ليس مبررا لنشر مثل هذه الصور”.

ودعا خليفة إلى “ضرورة معاقبة الأفراد الذين يقومون بتصوير الحوادث وتتبعهم قانونيا وذلك حفاظا على خصوصية الأفراد، وعدم تعريض أسر الضحايا للصدمة”.

أما أكرم المحتسب، اعتبر أن “نشر الصور فعل غير إنساني ويسبب الضرر النفسي والمعنوي للمصاب وأهله، علاوة على أنه انتهاك للخصوصية”.

وقال الناشط الفيسبوكي المحتسب إنه “يجب توعية الجمهور بكيفية التصرف عند حدوث حادث، ويجب تفعيل دور الأهل ووسائل الإعلام في التوعية حول ذلك، وليس التسابق للتصوير”.

في السياق، اعتبرت رئيس تحرير صحيفة الغد جمانة غنيمات أن أبشع من جريمة قتل الابن لوالدته في طبربور، كان نشر صور الضحية وهي غارقة في دمائها، بعد فصل ابنها رأسها عن جسدها.

وقالت غنيمات في مقال لها نشرته في الصحيفة تحت عنوان “فوضى التواصل وتكسر القيم”، “نشر البعض لتلك الصورة إنما يجسد حالة التهتك المجتمعي والأخلاقي التي بلغناها، في تعبير فاضح عن فكرة أن كل الأمور والأشياء فقدت حرمتها لدينا، وأن القيم تكسرت على واقع مجتمع أجبن من يعترف بأخطائه وأمراضه”.

وأضاف غنيمات: “ليست هذه المقارفة الأولى، ولا أظنها الأخيرة للأسف. فالمنصات التي وفرها الإعلام الاجتماعي أو مواقع التواصل الاجتماعي، ساهمت في اتساع حجم المشكلة، نتيجة غياب المدونات الأخلاقية لضبط أداء هذه المواقع، وبالتالي بدلا من أن تكون أداة بناء، تحولت إلى معول هدم يمضي في تكسير كل شيء جميل فينا”.

ورأت غنيمات أن “المعالجة الحقيقية تقتضي العمل في أكثر من اتجاه، الأول قانوني تشريعي، وتطبيق البنود المتعلقة بذلك على كل متجاوز؛ الاتجاه  الثاني المتأتي من حقيقة أننا مجتمعات طارئة على التكنولوجيا كما أننا لا نعيش ديمقراطية ناجزة مكتملة النمو، يبدو هذا الاتجاه في واجب خلق ثقافة الالتزام بسيادة القانون والأخلاقيات، من خلال النظام التعليمي”.

دعوات للتجريم والعقاب

أما الخبير الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي فقد اعتبر أن “الإنسان بطبعه فضولي يحب ويتطلع إلى مشاهدة واكتشاف كل ما هو جديد وغير مألوف، إذ يسعى لنقل ونشر ذلك دون النظر إلى العواقب والنتائج المجتمعية السلبية”.

وقال الخزاعي لـ”أردن الإخبارية” إن “هؤلاء المتطفلين بأدواتهم التكنولوجية يتاجرون بخصوصيات الناس، لذلك لا بد من ضبط أخلاق التكنولوجيا لضمان استخدام آمن وخال من كل التعديات التي من شأنها أن تمس كرامة الإنسان وخصوصيته وحمايته”.

ورأى الخبير الاجتماعي ان “المشكلة تكمن في المتجمهرين حول الحوادث، الذين لا هم لهم سوى تصوير هذه الحوادث بهواتفهم، والتقاط صور للمصابين والمتوفين، وهم في حالة يرثى لها ومضرجون بالدماء”.

ودعا الخزاعي إلى “إصدار قوانين تجرم المساس بحرية الإنسان أو إظهار جزء من جسده دون إذنه، خاصة في الحوادث” لافتا إلى أن “التصوير أصبح فيروسا ينتقل بسرعة في مواقع التواصل الاجتماعي من دون وعي بخطورة نشر المقاطع والصور”.

تجلت عملية نقل صور الضحايا بكل وضوح من قبل المواطنين بالعملية الأمنية الأخيرة في الكرك، فقد تداول النشطاء صور قتلى المجموعة المسلحة على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

فقد تم نشر صور جثث القتلى وهي ملقية على أرض قلعة الكرك وقد علاها الدم، ومن ثم نشرت صورهم وهم في المستشفى بعد نقلهم لعملية التشريح.

كيف تموت المشاعر ويهون الإنسان

إن النظرة العامة ترى أنه لا يحبذ نشر صور الضحايا عن قرب، خاصة أن كانت تظهر بها تفاصيل الوجه والجسد، وذلك احتراما لحرمة الموت وعدم تحويل جسد الميت أو وجهه إلى فرجة، وأيضا لعدم تعويد العين والعقل على الموت كمشهد عادي، فننزع عنه ما يجب أن يحاط به من احترام ومشاعر إنسانية، فيموت الإنسان الذي بداخله شيئًا فشيء.

طبعا لقد ساهم تطور التكنولوجيا في نقل هذه الصور بكل سهولة وسرعة عبر الهواتف الذكية خاصة، فقد كان النقل بعيدا كل البعد عن مفهوم الخصوصية والمسؤولية الاجتماعية التي يجب أن يتحلى بها الشخص في مثل هذه الأمور.

فكما كان لكثير من الاكتشافات التي طوّرت الحياة البشريّة إيجابيات، كان للتكنولوجيا سيئات كثيرة أيضا، فيما يتعلق بنشر صور الضحايا وعدم مراعاة شعور ذويهم والتعدي على خصوصياتهم وشؤونهم الخاصة.

إلى ذلك، إن وضع مدونة سلوك في مثل هذه التجاوزات بات ضرورة ملحة، حتى يتحمل المخطئ نتيجة ما فعل، وحتى نصون ما تبقى لدينا من إنسانية، أما غياب المساءلة لصالح الفوضى العارمة في مواقع التواصل الاجتماعي، فلن يقودنا إلا إلى جعلنا مجتمعات متوحشة، وما نشر الصورة إلا أحد المؤشرات على ذلك.

لا بد للحكومة من إحياء مشروع قانون يعاقب على التقاط أو مشاركة صور لضحايا الحوادث، بحيث تشدد العقوبات على كل من يخترق خصوصيات الآخرين.

تعليقات القراء